رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

علاقات الخليج وإيران على مفترق طرق.. هل تنهي الحرب سنوات التقارب؟| تقرير

تعبيرية
تعبيرية

لم يعد السؤال المطروح في الخليج اليوم هو ما إذا كانت العلاقات مع إيران ستشهد تقاربًا جديدًا فحسب، وإنما ما إذا كان مسار التعاون الذي بدأ خلال السنوات الماضية قد انتهى بالفعل، بعد أن أدت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى هزات أمنية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة في المنطقة.

فمنذ بدء الحرب في فبراير 2026، تعرضت دول خليجية لهجمات إيرانية، بينما دخلت العلاقات بين طهران وعدد من دول مجلس التعاون مرحلة شديدة الحساسية. وأدان مجلس التعاون الخليجي الهجمات الإيرانية، وطالب طهران بوقفها واحترام سيادة دول المجلس، في تحول عكس حجم الفجوة التي اتسعت بين الجانبين.

لكن ذلك لا يعني أن التعاون الخليجي مع إيران انتهى بصورة كاملة؛ فالموقف الخليجي لا يزال يجمع بين التشدد في القضايا الأمنية والحرص على إبقاء باب الحوار مفتوحًا، وهو ما ظهر في تأكيد مجلس التعاون الخليجي، في وقت سابق من العام، أن دوله لطالما دعت إلى الحوار والتفاوض وتسوية القضايا مع إيران، مع الإشادة بالدور العُماني في هذا المسار. 

الحرب غيّرت قواعد العلاقة

أحدثت الحرب تحولًا عميقًا في الحسابات الخليجية تجاه إيران، فالهجمات التي طالت أراضي ومنشآت في دول مجلس التعاون دفعت هذه الدول إلى التركيز بصورة أكبر على حماية أمنها الوطني والمنشآت الحيوية وطرق التجارة والطاقة.

ويشير تحليل لمعهد الشرق الأوسط إلى أن الحرب أظهرت هشاشة دول الخليج أمام التهديدات الإيرانية، كما أن ردود أفعال الدول الست لم تكن متطابقة تمامًا، رغم اتفاقها على رفض الهجمات التي استهدفت أراضيها. 

وهنا تبدو المفارقة الأساسية في العلاقة الحالية: الخليج لا يريد حربًا مفتوحة مع إيران، لكنه في الوقت نفسه لم يعد مستعدًا للتعامل مع أمنه باعتباره ملفًا منفصلًا عن سلوك طهران العسكري والإقليمي.

 الإمارات.. أكبر مؤشر على تراجع التعاون الاقتصادي

تبدو العلاقات الإيرانية الإماراتية المثال الأوضح على حجم التراجع الذي أصاب التعاون الاقتصادي الخليجي الإيراني، ففي 18 أغسطس، أعلنت الإمارات تعليق جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران، عقب تصاعد التوترات الأمنية واتهامات أبوظبي لطهران بإطلاق صواريخ باليستية باتجاهها، وهي اتهامات نفتها إيران. 

وتكتسب الخطوة الإماراتية أهمية خاصة لأن الإمارات كانت واحدة من أهم الشركاء التجاريين لإيران وبوابة رئيسية لتعاملاتها مع الأسواق الخارجية، ما يعني أن تعليق التجارة والأنشطة المالية لا يمثل مجرد إجراء سياسي، وإنما يوجه ضربة مباشرة إلى أحد أهم مسارات العلاقات الاقتصادية بين إيران والخليج.

وبذلك يمكن القول إن التعاون الاقتصادي بين طهران وأبوظبي تعرض لانتكاسة كبيرة، حتى وإن كان من المبكر اعتبارها قطيعة نهائية، خصوصًا أن العلاقات الخليجية الإيرانية لا تتحرك على مسار واحد، وأن مواقف دول مجلس التعاون تجاه طهران تختلف من دولة إلى أخرى. 

 السعودية.. الحوار لم يمت رغم التصعيد

العلاقة السعودية الإيرانية تقدم صورة مختلفة عن الإمارات. فقد أعاد البلدان العلاقات الدبلوماسية في إطار الاتفاق الذي رعته الصين، وكان الهدف منه فتح صفحة جديدة بعد سنوات من القطيعة.

لكن الحرب أعادت اختبار هذا المسار، وأصبحت العلاقة أكثر هشاشة في ظل الهجمات والتوترات الإقليمية.

ومع ذلك، فإن الاهتمام السعودي بالحوار لم يختفِ، إذ ظل المسار الدبلوماسي حاضرًا في الاتصالات الإقليمية الرامية إلى احتواء الحرب، بينما تشير تحليلات حديثة إلى استمرار وجود مصلحة سعودية وإيرانية في الحفاظ على قناة للحوار الأمني وإدارة الأزمات، حتى مع هشاشة التهدئة القائمة بينهما.

وهذا يعني أن الرياض لا تتعامل مع العلاقة مع طهران بمنطق «القطيعة الكاملة»، وإنما تحاول الموازنة بين الرد على التهديدات الأمنية والحفاظ على قنوات اتصال يمكن استخدامها لمنع الانزلاق إلى حرب أوسع.

 عُمان.. قناة الاتصال التي لم تُغلق

إذا كانت الحرب قد أضعفت عددًا من مسارات التعاون بين إيران ودول الخليج، فإن سلطنة عُمان تبدو الاستثناء الأبرز.

فمسقط حافظت على قنوات اتصال مع طهران وواشنطن، واستمرت في لعب دور الوسيط في الأزمة الإيرانية الأمريكية. وفي أغسطس، واصلت إيران وعُمان التفاوض بشأن ترتيبات تسمح بإعادة فتح ممرات آمنة أمام الملاحة في مضيق هرمز. 

وتكشف هذه التطورات أن العلاقة الخليجية الإيرانية لا تزال تضم مساحة للتفاوض حتى في ذروة التصعيد، وأن بعض دول المجلس تنظر إلى التواصل مع طهران باعتباره أداة لإدارة المخاطر وليس بالضرورة تعبيرًا عن تحالف سياسي معها.

قطر.. الدبلوماسية مستمرة رغم الحرب

وتحتفظ قطر أيضًا بقناة تواصل مهمة مع إيران، إذ كانت الدوحة تاريخيًا من الدول الخليجية التي حافظت على مستوى من الحوار مع طهران حتى خلال أكثر فترات العلاقات الخليجية الإيرانية توترًا.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن قطر حافظت على الحوار مع إيران حتى في مراحل التصعيد الحاد بين دول مجلس التعاون وطهران، مستفيدة من سياستها القائمة على موازنة علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية. 

وفي أغسطس، شاركت قطر إلى جانب عُمان وباكستان في جهود الوساطة المتعلقة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة وإعادة فتح مضيق هرمز، ما يؤكد أن قنوات الاتصال الخليجية مع إيران لم تختفِ بالكامل.

رغم حجم التصعيد، توجد أسباب قوية تدفع دول الخليج إلى عدم إغلاق الباب بالكامل أمام إيران.

أول هذه الأسباب هو الجغرافيا؛ فإيران دولة مجاورة مباشرة لدول الخليج، ولا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات طويلة الأمد للأمن الإقليمي.

وثانيها أن الاقتصاد الخليجي مرتبط بصورة وثيقة بأمن الملاحة والطاقة، خصوصًا أن مضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز العالمية. وقد أدى إغلاق المضيق وتراجع حركة السفن إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. 

أما السبب الثالث فيتمثل في إدراك دول الخليج أن استمرار المواجهة المفتوحة مع إيران ستكون له تكلفة اقتصادية وأمنية ضخمة على الجميع، ولذلك تظل الدبلوماسية إحدى الأدوات الضرورية إلى جانب الردع العسكري.

 لكن التعاون لم يعد كما كان

رغم استمرار قنوات الاتصال، فإن العودة إلى مرحلة التعاون السابقة لن تكون سهلة.

فمجلس التعاون الخليجي أصبح أكثر تشددًا في تحديد شروط أي تفاهم مستقبلي مع إيران، بما يشمل قضايا الأمن الإقليمي والبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين ودور طهران في المنطقة. وقد أكد الأمين العام للمجلس أن أي حل شامل مع إيران يجب أن يتناول هذه الملفات. 

كما أن دول الخليج أصبحت أكثر اهتمامًا ببناء قدراتها الدفاعية وتنويع شراكاتها الأمنية، بعدما كشفت الحرب عن مخاطر الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية وحدها. ويخلص تحليل للمجلس الأطلسي للشرق الأوسط إلى أن حرب 2026 دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في أمنها والدعوة إلى قدرات دفاعية إقليمية أكبر بدل الاعتماد على ضامن خارجي واحد. 

 هل انتهى التعاون الخليجي مع إيران؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا، لكنه تغير جذريًا.

فالتعاون لم ينتهِ بصورة كاملة، لأن عُمان وقطر ما زالتا تحتفظان بقنوات اتصال مع طهران، كما أن السعودية لم تغلق باب الحوار، بينما تظل المصالح الاقتصادية والجغرافية سببًا في إبقاء العلاقات مفتوحة بدرجات مختلفة.

لكن في المقابل، فإن الحرب أضعفت بشدة الثقة بين الطرفين، ودفعت العلاقات من مرحلة محاولة بناء «تعايش إقليمي» إلى مرحلة تقوم على الحذر والردع وإدارة المخاطر.

والأهم أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى التعاون مع إيران باعتباره هدفًا قائمًا بذاته، بل كجزء من معادلة أوسع مرتبطة بأمنها وسيادتها ومصالحها الاقتصادية. لذلك فإن أي عودة حقيقية للتعاون ستحتاج على الأرجح إلى معالجة الملفات الأمنية التي فجرت الأزمة، وليس الاكتفاء باستئناف العلاقات الدبلوماسية أو التجارية.

الخليج أمام معادلة جديدة

تكشف التطورات الحالية أن الخليج لا يتجه بالضرورة إلى قطيعة شاملة مع إيران، لكنه أيضًا لن يعود بسهولة إلى مرحلة ما قبل الحرب.

فالتهدئة المقبلة، إذا نجحت، ستقوم على معادلة أكثر تعقيدًا: حوار مع إيران من جهة، وردع أمني من جهة أخرى، وتنويع للشراكات الدولية والإقليمية من جهة ثالثة.

وفي هذا السياق، تظل عُمان وقطر الأكثر قدرة على لعب دور الوسيط، بينما تبدو السعودية اللاعب الأهم في تحديد شكل العلاقة الخليجية الجماعية مع طهران، في حين أن قرار الإمارات تعليق التجارة والأنشطة المالية مع إيران يمثل أحد أكبر المؤشرات على أن العلاقات الاقتصادية لن تعود سريعًا إلى مستويات ما قبل الحرب.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد «هل انتهى التعاون الخليجي مع إيران؟»، بقدر ما أصبح: هل تستطيع دول الخليج وإيران بناء صيغة جديدة للتعايش بعد الحرب؟

والإجابة ستتوقف بصورة أساسية على مستقبل مضيق هرمز، ووقف الهجمات المتبادلة، وقدرة طهران ودول الخليج على إعادة بناء الثقة، إلى جانب أي اتفاق أمريكي إيراني يمكن أن يضع حدًا للحرب ويعيد ترتيب المشهد الأمني في المنطقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء