قصر العيني.. 200 عام من قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية
استكمالًا لرصد المحطات الأساسية في تاريخ قصر العيني، وإرساءً للحقائق التي توثق مسيرة هذا الصرح العريق، نتوقف عند مرحلة دقيقة بدأت عقب انتهاء عهد المصلح الكبير الدكتور عيسى باشا حمدي، إذ شهدت المدرسة اضطرابًا إداريًا وتراجعًا أكاديميًا، بالتزامن مع تصاعد التدخل الإنجليزي في شؤون التعليم والإدارة.
وتكشف هذه المرحلة عن تحولات مهمة في مسيرة قصر العيني، الذي لم يكن مجرد مؤسسة لتدريس الطب، وإنما كان أحد أبرز مراكز تكوين الكوادر الطبية ونقل المعرفة الحديثة إلى مصر والمنطقة. ومن ثم، فإن ما شهدته المدرسة في تلك السنوات ارتبط بصورة وثيقة بالتغيرات التي طرأت على منظومة التعليم والإدارة في مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر.
حسن باشا محمود
ولد حسن باشا محمود عام 1847 في قرية الطالبية على طريق أهرام الجيزة، وتلقى مبادئ العلوم في مدارس مصر، ثم أوفدته الدولة ضمن بعثة علمية في أبريل 1862 إلى ميونخ بألمانيا لدراسة العلوم الصحية. وانتقل بعد ذلك إلى فرنسا، حيث أتم دراسته في باريس، قبل أن يعود إلى مصر في أوائل عام 1868، ليُعيّن مساعدًا لأستاذ التشريح بمدرسة الطب، ثم أستاذًا له.
وتدرج حسن باشا محمود بعد ذلك في عدد من المناصب الطبية والإدارية، حتى نال رتبة الباشوية، ليصبح واحدًا من الأسماء البارزة في المجال الطبي والإداري خلال تلك المرحلة، قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة مدرسة الطب في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها.
خلاف حول وحدة المدرسة والمستشفى
وكان لحسن باشا محمود موقف سابق كشف عن رؤيته الإدارية، ففي عام 1884، وأثناء توليه إدارة الصحة العمومية، تقدم بطلب إلى وزارة الداخلية يقضي بفصل مستشفى قصر العيني عن مدرسة الطب، وإخضاع أطباء المستشفى لإدارة الصحة العمومية.
وقد تصدى عيسى باشا حمدي لهذا المقترح، وخاض معركة حاسمة للحفاظ على وحدة المدرسة والمستشفى، وحماية التكامل بين التعليم الطبي والممارسة الإكلينيكية، وهو التكامل الذي كان يمثل أحد أهم مقومات قوة المدرسة وقدرتها على الجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي.
وفي عام 1889، وعقب استقالة عيسى باشا حمدي، تولى حسن باشا محمود رئاسة مدرسة الطب. وبرغم مكانته العلمية وإسهاماته الطبية، تزامنت فترة رئاسته القصيرة مع اضطراب سياسي وإداري، وبدأت خلالها المدرسة تفقد جانبًا من الاستقرار والاستقلال اللذين رسخهما العهد السابق.
وانتهت رئاسة حسن باشا محمود عام 1891، ليتولى من بعده إبراهيم باشا حسن رئاسة المدرسة حتى عام 1898، بينما واصلت السلطات الإنجليزية خلال هذه الفترة توسيع نفوذها داخل منظومة التعليم المصرية، في سياق سياسي أوسع انعكس على المؤسسات التعليمية والإدارية.
تراجع روافد التعليم الطبي
والإنصاف التاريخي يقتضي التأكيد أن التراجع لم يكن نتاج شخص واحد أو قرار منفرد، بل كان مسارًا متدرجًا امتد على مدار سنوات، وتداخلت فيه عوامل إدارية وسياسية وتعليمية، مع تصاعد التدخل الإنجليزي في إدارة المؤسسات المصرية.
وفي عام 1895، صدر قرار بإلغاء البعثات العلمية إلى فرنسا، بما أضعف أحد أهم روافد نقل المعرفة الحديثة وإعداد الكفاءات المصرية. وكانت البعثات إلى الخارج تمثل وسيلة أساسية للاطلاع على أحدث التطورات العلمية والطبية، ثم العودة إلى مصر للمساهمة في تطوير منظومة التعليم والممارسة الطبية.
تقليص سنوات الدراسة
وشهدت المرحلة اللاحقة اختصار مدة الدراسة الطبية من ست سنوات إلى أربع، في إطار توجهات أقرها المستشارون الإنجليز، الأمر الذي أثّر في عمق التكوين الأكاديمي والإكلينيكي للطلاب، وطرح تحديًا أمام المدرسة التي كانت قد راكمت خلال العقود السابقة تجربة علمية وتعليمية واسعة.
ومع تراجع بعض روافد التعليم والابتعاث، وتغير هيكل الدراسة، أصبحت قصر العيني أمام مرحلة جديدة من التحولات التي لم تقتصر على الجانب الأكاديمي، وإنما امتدت إلى طبيعة الإدارة واتجاهاتها وعلاقتها بالسلطة القائمة.
ومع نهاية العقد، تعاظم حضور الدكتور كيتنج، أستاذ التشريح، داخل المدرسة، حتى عُيّن رسميًا رئيسًا لها ولمستشفى قصر العيني عام 1898، لتنتقل الإدارة للمرة الأولى بصورة مباشرة إلى رئاسة إنجليزية، وتبدأ مرحلة جديدة من السيطرة البريطانية على واحدة من أهم مؤسسات التعليم الطبي في مصر والمنطقة.
وكان هذا التحول الإداري نقطة فارقة في تاريخ قصر العيني، إذ ارتبط بتزايد النفوذ الإنجليزي داخل المؤسسة، بعد سنوات من التدخل التدريجي في منظومة التعليم والإدارة، وهو ما جعل استقلال القرار العلمي والإداري واحدًا من أبرز القضايا التي طبعت هذه المرحلة.
معركة استقلال التعليم
وهكذا، لم يكن تراجع قصر العيني في تلك المرحلة مجرد انتكاسة إدارية عابرة، بل كان انعكاسًا لمعركة أوسع حول استقلال التعليم والسيادة على المؤسسات الوطنية. فالتغيرات التي شهدتها المدرسة، بدءًا من الاضطراب الإداري، مرورًا بإلغاء البعثات العلمية وتقليص مدة الدراسة، وصولًا إلى انتقال رئاسة المدرسة والمستشفى إلى إدارة إنجليزية، شكلت حلقات متتابعة في مسار طويل من التحولات.
وتظل هذه الصفحات شاهدًا على أن الحفاظ على هوية قصر العيني واستقلال قراره العلمي كان، ولا يزال، جزءًا أصيلًا من حماية قوة مصر الناعمة وريادتها الطبية، باعتبار أن المؤسسات العلمية لا تؤدي دورها في بناء المجتمع بمعزل عن استقلال المعرفة وقدرتها على التواصل مع أحدث ما توصل إليه العلم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خصوصية التجربة الوطنية.





