كتاب جديد لأحمد السعيد يطرح «التنمية التفاهمية» بديلًا لصدام الحضارات
صدر حديثًا عن بيت الحكمة للثقافة كتاب «ما بعد الهيمنة.. كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم؟»، للكاتب والمفكر الدكتور أحمد السعيد، الذي يقدم من خلاله مشروعًا فكريًا يتجاوز النقد إلى التأسيس، عبر طرح مفهوم «التنمية التفاهمية» بوصفه إطارًا بديلًا للسرديات الكبرى التي هيمنت على القرن العشرين، ومنها التحديث، وصدام الحضارات، والعولمة الرقمية.
ويرتكز هذا المفهوم على فكرة أن الفهم المتبادل ليس نتيجة ثانوية للتنمية، بل شرط أساسي لها، وأن القدرة على إنتاج هذا الفهم تمثل بنية تحتية غير مرئية تحتاج إليها الأمم للنهوض في عالم متعدد الأقطاب.
ينطلق الكتاب من سؤال جوهري طرحه المؤلف بعد رحلة امتدت 25 عامًا بين العالم العربي والصين: لماذا نعرف الكثير عن بعضنا بعضًا، ونظل عاجزين عن الفهم الحقيقي؟
ويجيب السعيد بأن مشكلة العصر الراهن لا تتمثل في نقص المعرفة، وإنما في العجز عن تحويل المعرفة إلى فهم، مشيرًا إلى مفارقة العصر الرقمي الذي يزخر بالمعلومات، لكنه في الوقت نفسه ينتج فقاعات معرفية واستقطابًا حادًا.
كما يطرح الكتاب عددًا من التساؤلات، من بينها، لماذا فشلت القوى الكبرى في شراء القلوب رغم إنفاقها المليارات؟ وكيف انهارت مسلّمات العولمة مع سقوط نظرية «ماكدونالدز»؟ وما السر المشترك بين نهضة اليابان وكوريا وسنغافورة الذي تغفله النماذج المستنسخة؟ وكيف تحوّل «صدام الحضارات» من نظرية إلى نبوءة صنعت واقعها بيد من آمنوا بها؟ وأين موقع العرب، ومصر تحديدًا، في خريطة العالم الجديد؟
ويقدم الكتاب إجابات عن هذه الأسئلة في إطار نظري متكامل، إلى جانب خريطة طريق قابلة للتنفيذ.

نقد السرديات المهيمنة
يقدم الكتاب نقدًا عميقًا لثلاث سرديات مهيمنة؛ الأولى هي سردية التحديث، التي وعدت بأن النمو الاقتصادي سيؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار والديمقراطية، لكنها اصطدمت بثورات وهزائم في إيران وروسيا والربيع العربي.
أما السردية الثانية، فهي «صدام الحضارات»، التي تحولت من فرضية أكاديمية إلى نبوءة ذاتية التحقق، غذت الصراعات بدلًا من تفسيرها.
فيما تتمثل السردية الثالثة في العولمة الرقمية، التي بشرت بأن وفرة الاتصال ستنتج فهمًا متبادلًا، لكنها أسفرت عن فقاعات معلوماتية واستقطاب وتضليل.
الحكمة الصينية والتجربة العربية
وفي مقابل هذه السرديات، يستعيد المؤلف إرثين حضاريين؛ أولهما الحكمة الصينية ممثلة في مفهومي «الانسجام دون توحيد» و«تيانشيا» (كل ما تحت السماء)، وثانيهما التجربة العربية الإسلامية ممثلة في بيت الحكمة العباسي وفي المفهوم القرآني للتعارف.
ويرى السعيد أن هذه التقاليد تقدم بديلًا عميقًا للصراع والذوبان، وتؤسس لفهم يقوم على الاحترام المتبادل والتنوع.
التنمية التفاهمية
وتتمثل الأطروحة المبتكرة في الكتاب في مفهوم «التنمية التفاهمية»، الذي يعرفه المؤلف بأنه «هي القدرة المؤسسية والمستدامة لمجتمع ما على إنتاج فهم متبادل عميق مع المجتمعات الأخرى، بحيث تصبح هذه القدرة شرطًا بنيويًّا لتنميته الذاتية، ومحددًا جوهريًّا لموقعه في النظام الدولي».
ويقوم التعريف على عناصر مؤسسية ومستدامة وثنائية الاتجاه وعميقة، ومرتبطة بالتنمية بوصفها حقلًا معرفيًا وسياسيًا قائمًا، بما يعبر عن رؤية تضع الفهم في قلب التنمية، لا على هامشها، وتطالب بتحويل الفهم من شعار إلى بنية مؤسسية قابلة للقياس، تشمل الترجمة والتعليم والبحث العلمي والإعلام.
ويختتم الدكتور أحمد السعيد الكتاب بخريطة طريق مؤسسية طموحة، تتضمن مقترحات لإنشاء «المركز العربي-الصيني للدراسات والترجمة»، وشبكة «معاهد العلوم الصينية»، وتأسيس آلية قياس منهجية سنوية لحالة التنمية التفاهمية العربية-الصينية، أسماها «المؤشر العربي السنوي للعلاقات العربية-الصينية».
وهو مؤشر سنوي يصدر بانتظام، ويستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، على غرار «تقرير التنمية البشرية» الأممي و«مؤشر الفساد» العالمي، إلى جانب برامج طموحة للترجمة العكسية وتأهيل الكفاءات، وتأسيس إعلام جاد يتابع الشأن الصيني بعمق وأمانة، اقترح له اسم «المرصد الإعلامي العربي للشؤون الصينية»، إلى غير ذلك من الاقتراحات القابلة للتنفيذ وذات الجدوى العالية.
مصر ودورها في العالم الجديد
وفي قلب هذه الرؤية، يرى المؤلف أن دورًا محوريًا ينتظر مصر، بوصفها صاحبة أقدم علاقة عربية مع الصين، وأوسع شبكة جامعية، ومركزًا ثقافيًا للعالم العربي، وهو دور يمكنها أن تلعبه إذا قررت تحويل مقوماتها إلى قدرة معرفية فاعلة.
أما رسالة الكتاب الأكثر إلحاحًا، فيدخرها لقارئه العربي، إذ يرى أن أمة قضت قرنين تجيب عن أسئلة صاغها غيرها، وما زالت علاقتها بالعالم تدور حول استهلاك المعرفة أكثر من إنتاجها.
ويتمثل التحدي الأعمق أمامها اليوم في بناء قدرة مستقلة على الفهم: فهم الذات وفهم الآخر وفهم التحولات الجارية؛ لأن الأمم تدخل التاريخ المعاصر من قدرتها على إنتاج المعرفة التي تفسر واقعها، قبل قوتها الاقتصادية وحدها.
ويأتي الكتاب في لحظة فارقة لا تحتمل التأجيل؛ فهو لا ينتظر انقشاع الغبار ليصف ما جرى، بل يكتب من داخل العاصفة، مؤرخًا للحظة قبل أن تكتمل، ويمتلك شجاعة تسمية العصر القادم قبل أن يستقر له اسم.
ولا يقدم الكتاب صدى مترجمًا لخطاب غربي، بل يطرح أطروحة عربية أصيلة صيغ مفهومها المحوري «التنمية التفاهمية» بالعربية أولًا، من تجربة عربية ممتدة، ليقدم نفسه إلى النقاش العالمي من موقع المنتج للأفكار لا المستهلك لها.
وسبق للمؤلف قراءة الصين من الداخل، لا من ترجمات الآخرين عنها، بخبرة قلّما تتوافر لباحث في العالم، وهو يكتب بعين الناقد الفاحص لا المبشر، في وقت يزداد فيه سؤال «ماذا بعد الهيمنة؟» إلحاحًا في كل عاصمة، وتتساقط الإجابات الجاهزة تباعًا، فلا يبقى أمام القارئ إلا هذا السؤال الصامد: من يفهم العالم قبل أن يحاول قيادته؟
عن أحمد السعيد
والدكتور أحمد السعيد هو كاتب ومترجم وناشر مصري، مؤسس ورئيس مجموعة بيت الحكمة الثقافية التي تمتد أعمالها بين القاهرة وأبوظبي وبكين.
وأشرف السعيد على ترجمة ونشر ما يزيد على ألف كتاب صيني إلى العربية، في أوسع حركة ترجمة عرفتها العلاقات العربية الصينية. وحاز جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2024، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عام 2021، وجائزة الدولة الصينية للإسهام المميز في مجال الكتاب عام 2015.
وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة نينغشيا، وأستاذ زائر بجامعة الاتصالات الصينية، وكاتب في العديد من الصحف والمواقع العربية والصينية.





