في كل يوم نسمع خبراً جديداً عن القبض على دجّال أو مشعوذ أو نصّاب يرتدي ثوب الشيخ، ويبيع للناس الأملَ في زجاجة، ويبيع لهم الراحةَ في ورقة مكتوب عليها طلاسم.
المشهد يتكرر، والقبض يتكرر، والكاميرات تصوّر، والأقسام تفتح محاضر. ولكن السؤال الذي يُوجع: من الذي يجلس أمام هؤلاء؟ ومن الذي يدفع؟ ومن الذي يصدّق؟.
المشكلة الحقيقية ليست في الدجّال، فهو لص واضح يبيع السراب ويعلم أنه يكذب. المشكلة الحقيقية في القلب الذي انكسر، وفي العقل الذي تعب، وفي الروح التي بحثت عن مخرج فلم تجده إلا عند باب مغلق مكتوب عليه: "الحل السريع".
نجد الأم التي بكت على ابنها المريض، فذهبت لمن قال لها: "سأفكّ العمل"، بدلاً من أن تذهب إلى الطبيب. ونجد الزوجة التي خافت من الطلاق، فصدّقت من قال لها: "سأجلب لك الحبيب بالسحر"، بدلاً من أن تجلس وتتحاور. ونجد الشاب الذي ضاق به الحال، فصدّق من وعده بالغنى بين ليلة وضحاها، بدلاً من أن يسعى ويعمل.
والأغرب أن كثيرين يعودون مرة بعد مرة، حتى بعد أن سُرقت أموالهم، حتى بعد أن اكتشفوا الكذب. لماذا؟ لأن الوهم إدمان، ولأن الخوف أعمى، ولأننا في لحظة ضعف نريد معجزة دون جهد ودون صبر.
الدين واضح وصريح، ولا يحتاج إلى تفسير؛ فالسحر كفر، والذهاب إلى الدجّال حرام، وتصديقه كفر بما أُنزل على محمد ﷺ. ورغم ذلك نجد من يقول: "أنا فقط أجرب"، "أنا فقط أريد أن أطمئن". أيّ طمأنينة في معصية؟ وأيّ راحة في طريق نهايته خراب؟.
والعجيب الأكبر أننا في نفس الوقت نرفض العلاج الحقيقي. تجد الإنسان يحمل هماً ثقيلاً، وقلقاً، وأرقاً، وكوابيس، واكتئاباً، ثم إذا نصحته بالذهاب إلى طبيب نفسي قال لك بحِدّة: "أنا مش مجنون". وكأن النفس ليس لها حق في العلاج، وكأن العقل إذا مرض عيب، وكأن الروح إذا انطفأت لا تستحق من يُضيئها.
فيرفض أن يجلس مع "لايف كوتش" ليساعده على ترتيب حياته، ويرفض أن يفتح قلبه لمتخصص يسمعه بلا حكم، ويرفض الدواء والجلسات. لكنه في نفس اللحظة يجري إلى الدجّال، ويدفع له أضعاف ما كان سيدفعه للطبيب، ويعطيه سره، ويعطيه صورته، ويعطيه اسمه واسم أمه.
إنه التناقض الذي يقتلنا: نرفض العلم ونقبل الخرافة، نرفض المواجهة ونقبل الهروب، نرفض أن نقول "أنا موجوع" ونقبل أن نقول "معمول لي عمل".
الدجل يزدهر في أرض الخوف والجهل والوحدة. يزدهر حين تغيب الأسرة، ويغيب الحوار، ويغيب الوعي الديني الصحيح. يزدهر حين تصبح السوشيال ميديا منبراً لكل من هبّ ودبّ ليبيعك وصفة لفك النحس، ويبيعك بخوراً للرزق. ونحن نشاهد ونسكت، ثم نستغرب لماذا كثر النصب ولماذا كثر الخراب.
الحل يبدأ من الداخل. الحل أن نربي أولادنا على أن الرزق بيد الله، وأن الأجل بيد الله، وأن الشفاء بيد الله، وأن لا أحد ينفع ولا يضر إلا بإذنه. الحل أن نكسر وصمة العار عن المرض النفسي، وأن نقول بصوت عالٍ إن زيارة الطبيب النفسي شجاعة وليست فضيحة. الحل أن نعلم أن المشكلة لا تحل بالبكاء عند عتبة دجّال، بل بالسعي والعمل والدعاء والاستعانة بأهل الخبرة.
الدولة تقبض وتغلق وتجرم، وهذا واجبها. ولكن المجتمع عليه واجب أكبر: أن يحصّن نفسه من الداخل، أن يعود إلى المسجد والكنيسة الحقيقيين، لا إلى صفحات تبيع الدين بالكيلو، أن يعود إلى الحوار داخل البيت، وإلى الصديق الذي ينصح، وإلى الشيخ الذي يعلّم، وإلى الطبيب الذي يعالج.
يا من تبحث عن حل، تذكر أن أقرب طريق للراحة هو طريق الله. تذكر أن دمعتك لن يمسحها إلا من خلقك. تذكر أن رزقك مكتوب وعمرك مكتوب، ولن يغيره شيخ ولا ساحر. وإن كنت موجوعاً، فاذهب لمن يفهم وجعك: طبيب يعالج، وناصح يرشد، وصديق يسمع. أما الدجّال فسيأخذ مالك ثم يتركك أكثر وجعاً مما كنت.
وكفى بالوهم قاتلاً، وكفى بالخرافة سجناً. فلنخرج منه قبل أن نصدق أن القفل الذي على الباب هو قفل سحر، وهو في الحقيقة قفل صنعناه بأيدينا، ونسينا أن المفتاح في جيوبنا.