رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليس من الإنصاف أن يُنظر إلى أسامة أنور عكاشة بوصفه مجرد كاتب درامي حقق نجاحًا جماهيريًا استثنائيًا، فمثل هذا التوصيف، على صحته، لا يكشف إلا جانبًا محدودًا من تجربته. لقد كان صاحب مشروع فكري وجمالي متكامل، نقل الدراما التلفزيونية العربية من مرحلة الحكاية إلى مرحلة الرؤية، ومن حدود الترفيه إلى رحابة التأمل في التاريخ والهوية والمجتمع.

منذ أن بدأ التلفزيون العربي يفرض حضوره في ستينيات القرن الماضي، مرت الدراما العربية بمراحل متعددة. في بداياتها، غلب عليها الطابع المسرحي، وكانت الكلمة هي العنصر المهيمن، بينما ظلت الصورة أسيرة الإمكانات التقنية المحدودة. ثم جاءت السبعينيات لتشهد اتساعًا في الموضوعات الاجتماعية، وظهور كتاب كبار، مثل محفوظ عبد الرحمن، ووحيد حامد، ولينين الرملي، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في تأسيس خطاب درامي أكثر اقترابًا من الواقع.

غير أن التحول الحقيقي جاء مع جيل أدرك أن الدراما ليست مجرد مرآة للمجتمع، بل أداة لفهمه وإعادة اكتشافه. وفي قلب هذا التحول وقف أسامة أنور عكاشة، بوصفه أحد أبرز من منحوا الدراما العربية مشروعًا فكريًا متماسكًا، يقوم على قراءة التاريخ من خلال الإنسان، لا على استعراض الأحداث في حد ذاتها.

كان عكاشة يؤمن بأن الشخصية الدرامية هي مفتاح قراءة المجتمع. ولذلك لم يصنع أبطالًا خارقين، ولم يبحث عن شخصيات مثالية أو شريرة على نحو مطلق، وإنما قدم الإنسان في تعقيده الكامل، بما يحمله من ضعف وقوة، ويقين وشك، وأمل وانكسار. ومن هنا اكتسبت شخصياته تلك القدرة النادرة على الحياة خارج حدود الشاشة، حتى بدا وكأنها جزء من الواقع المصري نفسه.

في «ليالي الحلمية» لم يكن الهدف كتابة مسلسل عن عائلات تتصارع على النفوذ، بل كتابة ملحمة عن المجتمع المصري وتحولاته منذ نهاية العهد الملكي حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين. لقد جعل التاريخ يتحرك داخل البيوت، وتتكلم السياسة بلسان الناس العاديين، فصار العمل وثيقة فنية لمرحلة كاملة من تاريخ مصر الحديث.

أما «أرابيسك»، فهو من وجهة نظري، أكثر أعماله اكتمالًا على المستوى الفكري. ففي شخصية حسن النعماني لم يقدم مجرد حرفي متمرد، بل صاغ استعارة كبرى للإنسان المصري الذي يحاول الدفاع عن هويته في مواجهة عالم سريع التغير، تتراجع فيه قيمة الجمال، ويعلو فيه ضجيج المنفعة. كان حسن النعماني يقول، من خلال حياته قبل كلماته، إن الحضارة ليست أبنية شاهقة، وإنما روح تحفظ ذاكرة المكان والإنسان.

وفي «زيزينيا» بلغ مشروع عكاشة أفقًا أكثر اتساعًا، إذ تجاوز حدود المكان المصري التقليدي، ليقدم الإسكندرية بوصفها مدينة للتعدد الثقافي والتسامح والتعايش، ويطرح سؤال الهوية في لحظة تاريخية معقدة. لم يكن التاريخ عنده مادة للحنين، بل وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

إن القيمة الكبرى لمشروع أسامة أنور عكاشة لا تكمن في كثرة أعماله، وإنما في وحدة رؤيته. فكل نص كتبه، مهما اختلفت شخصياته أو زمانه أو مكانه، كان يدور حول سؤال واحد: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته وسط عالم تتغير فيه القيم؟ ولهذا كانت أعماله تبدو متصلة بخيط فكري واحد، يجعلها أقرب إلى فصول مشروع ثقافي متكامل، لا إلى أعمال منفصلة.

ولم يكن الحوار في نصوصه مجرد تبادل للكلمات، بل كان جزءًا من البناء الفكري للعمل. فقد امتلك قدرة استثنائية على منح كل شخصية لغتها الخاصة، بما يعكس بيئتها وثقافتها وخبرتها في الحياة. ومن هنا اكتسبت جمله قوة البقاء، لأن الحوار عنده كان نابعًا من الشخصية، لا مفروضًا عليها.

وإذا كانت الدراما العربية في العقود الأخيرة قد شهدت تطورًا كبيرًا في تقنيات التصوير والإخراج والإنتاج، فإنها فقدت، في كثير من الأحيان، ذلك العمق الفكري الذي مثّل جوهر تجربة أسامة أنور عكاشة. أصبحت الصورة أكثر إبهارًا، لكن الأسئلة أقل عمقًا، وتسارع الإيقاع على حساب بناء الشخصيات، وغلبت اللحظة على الامتداد، والحدث على الفكرة.
وهنا تتجلى أهمية العودة إلى مشروعه، لا باعتباره نموذجًا يجب استنساخه، فالفن لا يعرف التكرار، وإنما باعتباره تذكيرًا بأن الدراما الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرتها على البقاء في الذاكرة، وإثارة الأسئلة، ومقاومة النسيان.
لقد كتب أسامة أنور عكاشة نصوصًا تتجاوز زمنها، لأنها انطلقت من فهم عميق للإنسان. ولهذا لا تزال أعماله تُشاهد حتى اليوم بالدهشة نفسها، وكأنها كُتبت لعصرنا. وهذه هي السمة التي تميز الأعمال الخالدة؛ فهي لا تنتمي إلى الماضي، وإنما تظل قادرة على محاورة كل حاضر.
سيظل أسامة أنور عكاشة أحد أهم أعمدة الدراما العربية الحديثة، ليس لأنه كتب مسلسلات ناجحة، بل لأنه أعاد الاعتبار إلى الكاتب صاحب الرؤية، وإلى الدراما بوصفها فعلًا ثقافيًا ومعرفيًا، قادرًا على أن يصنع الوعي، ويحفظ الذاكرة، ويمنح الإنسان فرصة دائمة للتأمل في نفسه وفي وطنه.
وحين يكتب تاريخ الدراما العربية، سيبقى اسم أسامة أنور عكاشة علامة فارقة بين مرحلتين: مرحلة كانت الدراما فيها تحكي الواقع، ومرحلة أصبحت فيها تفسره وتناقشه وتضيء أعماقه. وتلك، في تقديري، هي أعلى مراتب الإبداع.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء