رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أنا لا أخاف من خفافيش الظلام… أنا فقط أريد أن أرى إلى أي جحر ستخرج هذه المرة.

خلال الفترة الأخيرة، وأنا أتابع هذا السيل من الهجوم، بدأت أرى خيطًا واحدًا يمتد بين وقائع تبدو متفرقة؛ من الجدل حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، إلى موجات العنف ضد المرأة، وقتلها، والتحرش بها، وتبرير العنف الواقع عليها، وصولًا إلى واقعة رجل قتل زوجته، ثم خرجت أصوات تتعامل مع الجريمة وكأنها أخذ حق باليد، وكأننا نعيش في غابة لا دولة فيها ولا قانون. والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الأصوات تستدعي الدين لتبرير ما لا يبرره دين ولا قانون، ثم تتحول التعليقات إلى مساحة للتحريض والتشفي، وكأن الضحية هي التي يجب أن تُحاسب.

وبين كل واقعة وأخرى، كان السؤال يلح عليّ: هل كل هذا مجرد غضب اجتماعي متفرق؟ أم أن هناك من يعرف جيدًا أين يضغط على أعصاب المجتمع، وكيف يحوّل كل قضية حساسة إلى وقود لمعركة جديدة؟

وجدت نفسي، وبكل تلقائية، أجري عملية إنعاش للذاكرة، وامتدت يدي إلى جهاز التحكم لأشاهد من جديد فيلم طيور الظلام، للكاتب الكبير وحيد حامد والمخرج شريف عرفة.

فضحكت… ثم توقفت عن الضحك.

لأن خفافيش الظلام لم تعد تملك قدرة الحشد في الشارع كما كان يحدث من قبل، ولم تعد تملك الجرأة نفسها على مواجهة الناس وجهًا لوجه. لكنها لم تختفِ، ولم تكن الشاشة اكتشافًا جديدًا بالنسبة إليها؛ هي تعرف أدواتها منذ زمن، وتعرف كيف تستخدمها حين تضيق بها مساحات الظهور العلني.

الشاشة بالنسبة لها ليست مجرد وسيلة، إنها ستار.

حساب مغلق، اسم مستعار، جروب ضخم، أو وجه محترم في الظاهر. ثم تبدأ اللعبة: منشور يشحن، تعليق يحرض، ومعلومة مبتورة تتحول إلى حقيقة، ويعاد تكرارها حتى يبدو الصوت المصنوع كأنه صوت المجتمع كله.

والأذكى بينهم لا يخوض المعركة بنفسه، بل يجعلك تخوضها نيابة عنه.

هو لا يحتاج أن يقنعك بفكرته كاملة؛ يكفي أن يجعلك غاضبًا، وأن يدفعك إلى الكراهية، وأن يحركك للمشاركة قبل أن تفكر.

وعدو هذا الفكر الحقيقي ليس من يختلف معه.

عدوه هو الإنسان الذي يفكر.

فالذي يسأل: أين الدليل؟ خطر.

والذي يقول: لحظة، خلينا نتحقق، أخطر.

والذي يرفض أن يستعير عقله من أحد، هو الكارثة الحقيقية بالنسبة لهم.

لذلك لا نواجههم بالخوف ولا بالصراخ، وإنما بكشف أدواتهم: نتوقف قبل أن نشارك، نبحث قبل أن نصدق، ونسأل دائمًا: من كتب؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من إبقائنا في حالة غضب دائم؟

أقل ما يمكن أن تفعله تجاه من يستغل أزماتنا هو ألا تمنحه الأزمة التي يريدها.

قد يكون ذكيًا في قراءة نقاط ضعف المجتمع، لكنه يستخدم ذكاءه في الاتجاه الخطأ. وقد يعرف أين يضغط على الجرح، لكن معرفة مكان الجرح لا تجعله طبيبًا، أحيانًا تجعله فقط شخصًا يتقن وضع السكين.

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة،

أخطر لحظة على أي مجتمع ليست حين يرتفع صوت الظلام، بل حين يتوقف الناس عن استخدام عقولهم.

فطالما ظل العقل يقظًا، سيظل للظلام مشكلة واحدة لا يستطيع حلها أبدًا «النور»

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء