في ذكرى رحيل.. «أنيس منصور» فيلسوف الصحافة وأديبها
في ذكرى رحيل الكاتب الصحفي والأديب المصري أنيس منصور، تعود إلى الذاكرة سيرة واحد من أبرز المثقفين الذين تركوا بصمة استثنائية في الصحافة والأدب والفلسفة والرحلات والترجمة.
ولد أنيس محمد منصور في 18 أغسطس 1924 بقرية نوب طريف بمحافظة الدقهلية، حفظ القرآن الكريم في طفولته، وأظهر منذ سنواته الأولى نبوغاً لافتاً، قبل أن يواصل تفوقه في المرحلة الثانوية بمدينة المنصورة، حيث كان الأول على طلاب مصر، حيث اختار دراسة الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1947، ثم عمل مدرساً للفلسفة الحديثة في جامعة عين شمس قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى الصحافة والكتابة.
من الفلسفة إلى الصحافة
كانت الفلسفة بالنسبة إلى أنيس منصور أكثر من تخصص أكاديمي؛ فقد أصبحت جزءاً من طريقته في النظر إلى الإنسان والحياة والوجود، و فتحت له الصحافة مجالاً واسعاً لمخاطبة الجمهور والتعبير عن أفكاره بأسلوب بسيط ومباشر.
بدأ مشواره الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم، وتتلمذ على يد مصطفى وعلي أمين، ثم تنقل بين عدد من المؤسسات والمطبوعات الصحفية، وتولى رئاسة تحرير العديد من المجلات والصحف.
وبعد سنوات أصبح أحد أشهر أصحاب الأعمدة الصحفية في العالم العربي، واشتهر بمقالاته اليومية التي كانت تمزج بين الثقافة والفلسفة والسياسة والمجتمع والحكاية الشخصية.
وكانت قدرته الأبرز في تحويل الأفكار الثقيلة إلى لغة سهلة؛ فكان يناقش قضايا الوجود والحب والموت والفلسفة والسياسة، لكنه يكتبها بطريقة تجعل القارئ العادي يشعر بأنها تمس حياته اليومية مباشرة.
كاتب متعدد المواهب
لم يكتف أنيس منصور بالصحافة، بل ترك إنتاجاً أدبياً وفكرياً ضخماً يقترب من مئتي كتاب، تنوعت موضوعاته بين الفلسفة والأدب والسياسة والرحلات وما وراء الطبيعة والمجتمع والفن.
أعمال أنيس منصور
من أشهر أعماله في أدب الرحلات كتاب «حول العالم في 200 يوم»، إلى جانب «اليمن ذلك المجهول» و«بلاد الله لخلق الله» و«غريب في بلاد غريبة» و«أنت في اليابان وبلاد أخرى»، وقد جعلته رحلاته وكتاباته عنها واحداً من أبرز رواد أدب الرحلات في الأدب العربي الحديث.
كما اهتم بالترجمة، مستفيداً من إجادته عدداً من اللغات الأجنبية، بينها الإنجليزية والألمانية والإيطالية والفرنسية والروسية واللاتينية، وهو ما أتاح له الاطلاع المباشر على ثقافات وفلسفات وآداب مختلفة، ونقل جانباً منها إلى القارئ العربي.
وفي كتاباته الفلسفية، برز اهتمامه بالوجودية وأسئلة الإنسان الكبرى، لكنه لم يتعامل مع الفلسفة بوصفها مادة أكاديمية جافة، وإنما قدمها في قالب أدبي وصحفي جذاب.
في صالون العقاد
كان لقاء أنيس منصور بالأديب عباس محمود العقاد من المحطات المؤثرة في حياته الفكرية، فقد وجد في صالون العقاد عالماً جديداً من النقاشات والأفكار والحوارات مع كبار المثقفين المصريين، وسجل جانباً من تلك التجربة في كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام»، وذلك من خلال علاقاته بكبار الأدباء والمفكرين، تشكلت شخصيته الثقافية التي جمعت بين شغف الفلسفة وحب الأدب وفضول الصحفي وقدرة الكاتب على التواصل مع الجمهور.
أنيس منصور والسادات
ارتبط اسم أنيس منصور أيضاً بمرحلة مهمة من التاريخ السياسي المصري، خصوصاً خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، الذي كان منصور من المقربين إليه، ورافقه في زيارته إلى القدس عام 1977، كما تولى رئاسة تحرير مجلة «أكتوبر» ورئاسة مجلس إدارة دار المعارف لفترة.
وأثارت علاقته الوثيقة بالسلطة آنذاك كثيراً من النقاشات حول حدود العلاقة بين الكاتب والسياسي، إلا أن هذه المرحلة ظلت واحدة من أبرز محطات مسيرته الصحفية والسياسية.
الجوائز
حصل أنيس منصور خلال مسيرته على العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في مجال الأدب، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة وغيرها من مظاهر التكريم.
وفي 21 أكتوبر 2011، رحل أنيس منصور عن عمر ناهز 87 عاماً بعد تدهور حالته الصحية وإصابته بالتهاب رئوي حاد،و وشُيعت جنازته من مسجد عمر مكرم، قبل أن يوارى جثمانه الثرى في مدافن الأسرة بمصر الجديدة.
لم يكن رحيل أنيس منصور نهاية لحضوره؛ فقد بقيت كتبه ومقالاته شاهدة على تجربة ثقافية استثنائية، فمن الفلسفة إلى الصحافة، ومن أدب الرحلات إلى الترجمة، ومن المقال السياسي إلى الكتاب الأدبي، ترك عشرات الأعمال التي ما زالت تعكس عقل كاتب كان شغوفاً بالمعرفة، مفتوحاً على العالم، وقادراً على مخاطبة القارئ بلغة تجمع بين العمق والبساطة.





