في ذكرى ميلاده.. بديع خيري من «المغربلين» إلى صناعة أمجاد المسرح المصري
تحل اليوم ذكرى ميلاد الكاتب المسرحي بديع خيري، أحد أبرز الأسماء التي تركت أثرًا ممتدًا في تاريخ الفن المصري، من خلال إسهاماته في المسرح والسينما والأغنية والصحافة، وعمله مع عدد من كبار الفنانين والموسيقيين في النصف الأول من القرن العشرين. وارتبط اسم خيري بصورة خاصة بالفنان نجيب الريحاني، الذي شكل معه ثنائيًا فنيًا قدم مجموعة من الأعمال المسرحية التي تناولت تفاصيل المجتمع المصري وشخصياته المختلفة، إلى جانب علاقته بالموسيقار سيد درويش وكتابته عددًا من الأغاني التي ارتبطت بالحياة الاجتماعية والوطنية للمصريين.
من حي المغربلين إلى عالم الكتابة
وُلد بديع خيري في حي المغربلين الشعبي بالقاهرة، أحد الأحياء القديمة التي كانت تزخر بالتنوع الاجتماعي والتفاصيل اليومية والحكايات المتداخلة، وهي البيئة التي أسهمت في تكوين شخصيته الأدبية ومنحته قدرة على التقاط مفردات الحياة الشعبية والتعبير عنها في كتاباته. كما ساعده حفظ القرآن الكريم في سن صغيرة على اكتساب معرفة لغوية واسعة، انعكست فيما بعد على أعماله، خاصة مع قدرته على المزج بين اللغة العربية ومفردات الحياة اليومية، بما جعل شخصياته وأعماله قريبة من الجمهور.
تخرج خيري في معهد المعلمين، وعمل مدرسًا لمادتي الجغرافيا واللغة الإنجليزية، لكنه لم يبتعد عن الكتابة والفن، فبدأ في نشر قصائده بالصحف، وانضم إلى جمعية «التمثيل المصري»، حيث ظهرت موهبته الفنية بشكل أكبر. وكانت علاقته بالشعر قد بدأت في سن مبكرة، إذ كتب أول قصيدة له وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكانت باللغة العامية، قبل أن تتوسع تجربته تدريجيًا لتشمل المسرح والزجل والأغنية والسينما.
البداية الحقيقية مع نجيب الريحاني
بدأ ارتباط بديع خيري بمسرح نجيب الريحاني عام 1918، عندما شاهد الريحاني إحدى المسرحيات التي كتبها خيري لفرقة صغيرة من الهواة على أحد مسارح شارع عماد الدين، إلا أن اسم المؤلف لم يكن ظاهرًا على العمل. وعندما سأل الريحاني عن مؤلف المسرحية، ادعى أحد أصدقاء خيري أنه صاحب النص، وهو ما دفع الريحاني إلى التعامل معه، خاصة أنه كان يعرف قدراته الفنية السابقة.
واستمر الريحاني في التعاون مع هذا المؤلف، وحققت المسرحيات التي كتبها نجاحًا، ومن بينها «على كيفك» و«كله من ده»، بينما ظل بديع خيري بعيدًا عن المشهد، يتابع نجاح أعماله دون أن يكشف عن كونه المؤلف الحقيقي، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى فقدان وظيفته الأساسية كمدرس للغة الإنجليزية. وظل الأمر كذلك إلى أن طلب الريحاني من المؤلف الذي كان يتعامل معه إجراء تعديلات على إحدى المسرحيات، وهو ما دفع الرجل إلى الاعتراف بالحقيقة وإبلاغه بأن بديع خيري هو صاحب النص الحقيقي.
شراكة صنعت تاريخ المسرح
بعد معرفة الحقيقة، التقى نجيب الريحاني ببديع خيري، وأبدى إعجابه بموهبته وقدرته على الكتابة، وقرر التعاون معه بشكل مباشر، وكتب معه عقدًا، لتبدأ شراكة فنية أصبحت واحدة من أشهر الشراكات في تاريخ المسرح المصري. وتمكن خيري من خلال نصوصه من تقديم شخصيات مستمدة من المجتمع المصري، بمشكلاتها وتفاصيلها اليومية، بينما منحها الريحاني على خشبة المسرح أسلوبه الخاص في الأداء، وهو ما ساعد على تحقيق نجاح جماهيري واسع لعدد من أعمالهما.
واستمر التعاون بينهما لسنوات، وأصبح بديع خيري أحد الأسماء الأساسية المرتبطة بمسرح نجيب الريحاني، حيث جمع في كتاباته بين الكوميديا ورصد الواقع الاجتماعي، وقدم شخصيات من طبقات وبيئات مختلفة، مستخدمًا اللغة القريبة من الجمهور. ولم يقتصر دوره على كتابة النصوص المسرحية، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من التجربة الفنية التي ارتبطت باسم الريحاني، وأسهم في صناعة عدد من الأعمال التي بقيت حاضرة في تاريخ المسرح المصري.
بديع خيري وسيد درويش
ارتبط اسم بديع خيري كذلك بالموسيقار سيد درويش، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الموسيقى المصرية، وشارك معه في تقديم عدد من الأعمال الغنائية التي عبرت عن المجتمع المصري والتحولات التي شهدها في تلك الفترة. وكتب خيري كلمات عدد من الأغاني التي أصبحت مرتبطة بالحركة الوطنية المصرية، ومن بينها «قوم يا مصري» و«يا بلح زغلول»، وهي أعمال ارتبطت بأجواء ثورة 1919 وما صاحبها من مشاعر وطنية.
كما اتسمت كتاباته الغنائية بالتنوع في الشخصيات والموضوعات التي تناولتها، فكتب بلسان الموظف والشيال والصعيدي والفلاح والجرسون والصحفي، وقدم من خلال هذه الشخصيات صورًا مختلفة من المجتمع المصري. ومن الأغاني التي ارتبطت بكلماته «شد الحزام على وسطك»، و«يا حلاوة أم إسماعيل»، و«هز الهلال يا سيد»، و«الحلوة دي قامت تعجن»، و«البحر بيضحك ليه»، و«أهو ده اللي صار»، وهي أعمال أصبحت جزءًا من التراث الغنائي المصري.
ولم تتوقف إسهاماته في كتابة الأغاني عند التعاون مع سيد درويش، إذ امتدت تجربته إلى عدد من المطربين والملحنين، فكتب لمحمد فوزي عددًا من الأغاني، من بينها «شحات الغرام» و«وليا عشم ويا جميل»، كما كتب لأسمهان «عليك صلاة الله وسلامه»، ليصبح خيري واحدًا من الكتاب الذين تنوعت أعمالهم الغنائية بين الطابع الشعبي والاجتماعي والوطني.
حضور بارز في السينما المصرية
امتدت تجربة بديع خيري إلى السينما، حيث كتب سيناريو فيلم «العزيمة»، الذي ارتبط بتقديم صورة للحارة المصرية وشخصياتها وتفاصيل الحياة داخلها، في مرحلة كانت السينما المصرية تبحث خلالها عن موضوعات وشخصيات نابعة من البيئة المحلية. وجاء اهتمام خيري بالسينما امتدادًا لاهتمامه بالمجتمع المصري، الذي ظل حاضرًا في مختلف أشكال الكتابة التي قدمها طوال مسيرته.
كما خاض تجربة مبكرة في مجال الرسوم المتحركة، فكتب سيناريو أول فيلم كارتون مصري في ثلاثينيات القرن الماضي، ونفذ الفيلم الأخوان فرنكل. وقدم كذلك سلسلة «مشمش أفندي»، التي تناولت عددًا من القضايا والموضوعات المصرية، وكانت تُعرض في دور السينما، ولفتت التجربة اهتمام الصحافة العالمية في ذلك الوقت، التي تناولتها باعتبارها تجربة مصرية في مجال الرسوم المتحركة.
وتناولت حلقات «مشمش أفندي» عددًا من الهموم والقضايا المرتبطة بالمجتمع، كما ارتبطت الشخصية الكارتونية بالبيئة المصرية، وهو ما منح التجربة حضورًا خاصًا في تاريخ بدايات الرسوم المتحركة المصرية، وجعلها واحدة من المحاولات المبكرة لتقديم شخصية كارتونية محلية تناقش قضايا المجتمع.
الصحافة والكتابة في مواجهة الاستعمار
لم تقتصر اهتمامات بديع خيري على المسرح والسينما والأغنية، إذ اتجه أيضًا إلى العمل الصحفي، وأصدر عددًا من الصحف والمجلات التي ارتبط بعضها بالقضايا الوطنية ومواجهة الاستعمار. وجاء هذا الجانب من تجربته متسقًا مع اهتمامه بالشأن العام، إذ استخدم الكتابة في التعبير عن القضايا التي شغلت المجتمع المصري في تلك الفترة.
وخلال مسيرته، تنقل خيري بين أشكال متعددة من الكتابة، فلم يحصر تجربته في مجال واحد، وإنما جمع بين الشعر والزجل والمسرح والأغنية والسيناريو والعمل الصحفي، وهو ما جعله حاضرًا في أكثر من مجال من مجالات الحياة الثقافية والفنية المصرية.





