20 عامًا على رحيل أحمد مستجير.. العالم الذي جمع بين دقة العلم وجمال الأدب
تمر اليوم، 17 أغسطس، الذكرى العشرون لرحيل العالم والكاتب والمترجم الكبير الدكتور أحمد مستجير، الذي غاب عن عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2006، بعد مسيرة حافلة امتزج فيها العلم بالأدب، والترجمة بالإبداع، ليترك إرثًا متنوعًا جعله واحدًا من أبرز الأسماء التي جمعت بين التخصص العلمي والاهتمام باللغة والشعر والثقافة.
ولد أحمد مستجير مصطفى عام 1934 بمحافظة الدقهلية، وبدأ اهتمامه بالعلوم الطبيعية وعلم الأحياء منذ سنوات دراسته الثانوية، وهو الشغف الذي قاده إلى الالتحاق بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، ومنها بدأت رحلته الأكاديمية التي امتدت لسنوات، وجمع خلالها بين البحث العلمي والتدريس والتأليف والترجمة، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بتطوير المعرفة العلمية باللغة العربية وإتاحتها أمام القارئ غير المتخصص.
حصل مستجير على بكالوريوس الزراعة من جامعة القاهرة عام 1954، ثم واصل دراساته العليا في مجال تربية الدواجن، فنال درجة الماجستير عام 1958 أثناء عمله باحثًا في مركز البحوث العلمية، قبل أن يسافر إلى بريطانيا لاستكمال تخصصه في علم الوراثة، حيث حصل على دبلوم في علم وراثة الحيوان من معهد الوراثة بجامعة إدنبرة عام 1961، ثم حصل من المعهد نفسه على درجة الدكتوراه في علم وراثة العشائر عام 1963.
وبعد عودته إلى مصر، بدأ مستجير مسيرته الأكاديمية في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، حيث عمل مدرسًا، ثم تدرج في المناصب العلمية والإدارية حتى تولى عمادة الكلية خلال الفترة من عام 1986 حتى عام 1995، وبعد انتهاء فترة العمادة أصبح أستاذًا متفرغًا بالكلية، واستمر في نشاطه العلمي والثقافي حتى رحيله، تاركًا وراءه تجربة أكاديمية ثرية امتدت إلى مجالات متعددة.
ولم يتوقف حضور أحمد مستجير عند حدود الجامعة والبحث العلمي، إذ كان عضوًا في عدد من الهيئات والجمعيات العلمية والثقافية، من بينها الجمعية المصرية لعلوم الإنتاج الحيواني، والجمعية المصرية للعلوم الوراثية، واتحاد الكتاب المصري، كما ارتبط اسمه بعدد من المؤسسات العلمية والثقافية التي أسهم من خلالها في دعم حضور العلوم في الحياة الثقافية المصرية.
وخلال مسيرته حصل مستجير على مجموعة من الجوائز والأوسمة تقديرًا لإسهاماته العلمية والفكرية، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في العلوم والزراعة عام 1974، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في العام نفسه، إلى جانب جائزة الإبداع العلمي عام 1995، ثم جائزة مبارك في العلوم والتكنولوجيا المتقدمة عام 2001، لتتوج هذه الجوائز جانبًا من مسيرته الطويلة في خدمة العلم والثقافة.
عن أحمد مستجير
تميزت تجربة أحمد مستجير بقدرته على الانتقال بين لغة البحث العلمي ولغة الأدب، فلم يكن اهتمامه بالشعر والكتابة منفصلًا عن تخصصه الأكاديمي، بل شكل الاثنان جانبين متكاملين من شخصيته الثقافية، وهو ما ظهر في مؤلفاته التي تناولت موضوعات علمية وأدبية، وحرص من خلالها على تقديم المعرفة بأسلوب واضح يجمع بين الدقة والقدرة على مخاطبة القارئ.
ومن أبرز مؤلفاته العلمية «مقدمة في علم تربية الحيوان» و«التحسين الوراثي لحيوانات المزرعة»، وهي أعمال ارتبطت بتخصصه الأكاديمي وإسهاماته في مجال علوم الحيوان والوراثة، بينما اتجه في كتاباته الأدبية والفكرية إلى موضوعات أكثر اتساعًا، من بينها الشعر والعلاقة بين العلم والثقافة والإنسان.
وقدم مستجير عددًا من الكتب التي عكست هذا المزج بين مجالات المعرفة، من بينها «في بحور الشعر: الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي»، و«علم اسمه السعادة»، و«في بحور العلم»، وهي أعمال تكشف عن اهتمامه باللغة والشعر إلى جانب انشغاله الدائم بالعلوم، وتوضح طبيعة التجربة التي جعلته حاضرًا في أكثر من مجال ثقافي وعلمي.
أحمد مستجير وترجمة العلوم إلى العربية
كانت الترجمة أحد أبرز المجالات التي ترك فيها أحمد مستجير أثرًا واضحًا، إذ اهتم بنقل الكتب العلمية إلى اللغة العربية، مؤمنًا بأهمية إتاحة المعرفة الحديثة للقارئ العربي، ولم تقتصر ترجماته على مجال واحد، وإنما شملت موضوعات تتصل بالحياة والتطور والجينات والإنسان ومستقبل العلوم.
ومن بين الأعمال التي ترجمها «طبيعة الحياة»، و«التطور الحضاري للإنسان»، و«صناعة الحياة»، و«البذور الكونية»، و«الجينات والشعوب واللغات»، وهي ترجمات أسهمت في تقديم موضوعات علمية متخصصة إلى القارئ العربي بلغة أكثر قربًا، كما عكست اهتمامه بقضية العلاقة بين العلم والثقافة وأهمية حضور المعرفة العلمية في المجال العام.
ورحل أحمد مستجير في 17 أغسطس 2006، بعد مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، لكنه ترك خلفه مؤلفات علمية وأدبية وترجمات أسهمت في تكوين تجربة خاصة في الثقافة المصرية، وظل اسمه حاضرًا بوصفه نموذجًا للعالم الذي لم يحصر اهتمامه في تخصصه الأكاديمي، وإنما فتح مساحات واسعة للكتابة والشعر والترجمة والفكر.
وبعد مرور 20 عامًا على رحيله، تظل تجربة أحمد مستجير مرتبطة بفكرة الجمع بين التخصص والإبداع، فقد استطاع أن يجعل من العلم مجالًا للكتابة، ومن الأدب نافذة للتأمل في المعرفة والإنسان، وأن يترك في المكتبة العربية أعمالًا تتجاوز حدود التخصص لتصل إلى القارئ الباحث عن المعرفة والثقافة معًا.





