اتهامات طالت الإنجليز والقصر والوفد.. من أشعل حريق القاهرة؟
تمر اليوم ذكرى انعقاد أولى جلسات المحكمة العسكرية العليا في القاهرة عام 1952، التي نظرت قضية حريق القاهرة، ذلك الحدث الذي وقع في 26 يناير من العام نفسه، وتحولت خلاله العاصمة إلى مسرح لحرائق وأعمال تخريب ونهب طالت عددًا كبيرًا من المنشآت والمحال ودور السينما والفنادق، وأسفرت عن سقوط قتلى ومصابين وخسائر مادية ضخمة.
وتعد واقعة حريق القاهرة واحدة من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي خلفته، وإنما أيضًا بسبب تعدد الأطراف التي وجهت إليها أصابع الاتهام، إذ ظهرت روايات تحدثت عن دور للمخابرات البريطانية، وأخرى ربطت الحريق بالقصر الملكي، بينما اتجهت اتهامات أخرى إلى عناصر سياسية مرتبطة بالوفد أو جماعات مختلفة، في حين رأى مؤرخون أن الحريق خرج من إطار المظاهرات والاحتجاجات الشعبية وتحول بصورة تدريجية إلى أعمال فوضى وإحراق ونهب، دون وجود جهة واحدة تقف خلف جميع الأحداث.
كيف بدأت أحداث 26 يناير؟
بدأت الأحداث في أجواء سياسية متوترة كانت تعيشها مصر في ظل استمرار الوجود البريطاني وتصاعد المقاومة الوطنية، وجاء حريق القاهرة بعد يوم واحد من معركة الإسماعيلية، التي شهدت مواجهة بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية التي رفضت تسليم أسلحتها، وسقط خلالها عدد من رجال الشرطة بين قتيل وجريح.
وأثارت أحداث الإسماعيلية حالة واسعة من الغضب في القاهرة، وخرجت مظاهرات شارك فيها عمال وطلاب وقطاعات مختلفة من المواطنين، قبل أن تتطور الأوضاع بصورة متسارعة، وتتحول بعض التجمعات إلى أعمال عنف وفوضى، ثم بدأت الحرائق تظهر في مناطق متفرقة من العاصمة، خاصة في منطقة وسط القاهرة التي كانت تضم عددًا كبيرًا من دور السينما والفنادق والمحال والمنشآت التجارية.
وخلال ساعات قليلة اتسع نطاق الحرائق، وأصبحت النيران تلتهم منشآت متجاورة، وسط حالة من الارتباك وعدم القدرة على السيطرة السريعة على الأحداث، وانتهى اليوم وقد تعرض عدد كبير من المنشآت للتدمير، بينما اختلفت المصادر التاريخية في تقدير أعداد الضحايا وحجم الخسائر، وإن اتفقت على أن الحريق كان من أعنف الأحداث التي شهدتها القاهرة في تلك المرحلة.
الإنجليز في مقدمة الاتهامات
كان الوجود البريطاني في مصر أحد أبرز المحاور التي دارت حولها التفسيرات الخاصة بحريق القاهرة، خاصة أن بريطانيا كانت تواجه في ذلك الوقت تصاعدًا في المقاومة المصرية بمنطقة القناة، بعد إلغاء حكومة الوفد معاهدة 1936 في أكتوبر 1951، وبدء عمليات المقاومة المسلحة ضد القوات البريطانية.
وذهب أصحاب هذه الرواية إلى أن بريطانيا كانت تمتلك مصلحة في إضعاف الوضع الداخلي في مصر وإرباك حكومة الوفد والحركة الوطنية، خاصة مع تصاعد المواجهات في منطقة القناة، كما استند بعض الباحثين إلى الحديث عن شبكات ومجموعات مرتبطة بالنشاط البريطاني داخل مصر، ورأوا أن وجود مثل هذه الشبكات يفتح الباب أمام احتمال التدخل في الأحداث.
كما ظهرت في الدراسات التاريخية إشارات إلى وثائق بريطانية تناولت خططًا عسكرية للتعامل مع منطقة القناة وعزلها عن باقي الأراضي المصرية، وهو ما اعتبره بعض الباحثين مؤشرًا على وجود تصورات بريطانية للتعامل مع حالة التوتر المتصاعدة، إلا أن وجود هذه الخطط لا يمثل في حد ذاته دليلًا قاطعًا على أن المخابرات البريطانية هي التي نفذت حريق القاهرة.
إخوان الحرية
ارتبطت بعض الروايات كذلك بجماعة عُرفت باسم «إخوان الحرية»، وظهرت إشارات إليها في سياق الحديث عن نشاط بريطاني سري داخل مصر، حيث حاول بعض الباحثين الربط بينها وبين أجهزة المخابرات البريطانية، باعتبارها إحدى القنوات المحتملة لتنفيذ أنشطة سرية.
لكن هذه الرواية تظل ضمن التفسيرات التاريخية التي ارتبطت بالحادث، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة قضائية نهائية، خاصة أن قضية حريق القاهرة ظلت محاطة بتعدد الروايات والقرائن السياسية، دون الوصول إلى دليل حاسم يحدد جهة واحدة باعتبارها المسؤولة عن إشعال جميع الحرائق التي شهدتها العاصمة في ذلك اليوم.
هل كان القصر الملكي طرفًا في الحريق؟
لم يقتصر الاتهام على الاحتلال البريطاني، إذ ظل القصر الملكي حاضرًا في عدد من الروايات التي تناولت أسباب حريق القاهرة، وربط أصحاب هذا الاتجاه بين الأحداث وبين الصراع السياسي المحتدم آنذاك بين الملك فاروق وحكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس.
واستندت هذه الروايات إلى إقامة مأدبة لضباط الجيش والشرطة في قصر عابدين في توقيت متزامن مع اندلاع الحرائق، إلى جانب التساؤلات التي أثيرت حول تأخر تحرك الجيش بالشكل الكافي لاحتواء الأحداث، ورأى بعض الباحثين أن القصر كان لديه مصلحة سياسية في إضعاف حكومة الوفد، خاصة في ظل الخلافات المتراكمة بين الملك وحزب الوفد.
لكن هذه الوقائع، حتى مع إثارتها علامات استفهام حول موقف القصر، لا تكفي وحدها لإثبات أن الملك فاروق أصدر تعليمات بإشعال الحرائق، وهو ما يجعل الاتهام الموجه إليه في إطار الفرضيات والتفسيرات السياسية أكثر من كونه حقيقة ثبتت بصورة نهائية.
اتهامات لـ الوفد
ظهر الوفد كذلك ضمن الأطراف التي ارتبط اسمها بتفسيرات حريق القاهرة، خاصة أن حكومة مصطفى النحاس كانت في مواجهة مباشرة مع الاحتلال البريطاني، وكانت قد اتخذت خطوات تصعيدية ضد الوجود البريطاني في منطقة القناة.
وذهبت بعض التفسيرات إلى تحميل عناصر وفدية أو قوى سياسية مسؤولية غير مباشرة عن الأحداث، على أساس أن حالة التعبئة الشعبية والخطاب المناهض للاحتلال أسهما في خلق مناخ سياسي متوتر، أصبح من السهل خلاله تحول المظاهرات إلى أعمال عنف وفوضى.
لكن تحميل الوفد المسؤولية المباشرة عن إشعال القاهرة واجه بدوره اعتراضات، خاصة أن الحكومة الوفدية أعلنت الأحكام العرفية بعد اندلاع الحرائق، كما أن التحقيقات التي تناولت الحادث لم تحسم وجود قرار سياسي من جانب الوفد لتدبير عملية إحراق العاصمة.
في مقابل الروايات التي تبحث عن جهة سياسية أو جهاز أمني يقف وراء الحريق، ظهرت قراءة أخرى ترى أن الأحداث بدأت من حالة الغضب الشعبي التي أعقبت معركة الإسماعيلية، ثم خرجت المظاهرات تدريجيًا عن السيطرة، وتحولت بعض التجمعات إلى عمليات تخريب ونهب وإحراق.
ووفق هذا التفسير، فإن الحريق لم يكن بالضرورة نتيجة خطة مركزية واحدة، وإنما جاء نتيجة تداخل عوامل سياسية واجتماعية وحالة احتقان واسعة كانت تعيشها البلاد، إلى جانب ضعف القدرة على السيطرة على الشارع في ذلك اليوم، ما سمح بانتشار الحرائق في مناطق مختلفة من القاهرة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة لأنها تنظر إلى الحادث باعتباره نتيجة لتراكم طويل من الغضب والاحتقان، بدلًا من اختزاله في مؤامرة نفذتها جهة واحدة، خاصة أن طبيعة الأحداث وتعدد أماكن الحرائق جعلت الوصول إلى تفسير واحد أمرًا بالغ الصعوبة.
ظل حريق القاهرة واحدًا من الألغاز التاريخية التي تعددت حولها الروايات، لأن التحقيقات التي أعقبت الحادث لم تقدم إجابة نهائية تحسم الجهة التي أشعلت النيران في مختلف أنحاء العاصمة، وهو ما فتح الباب أمام ظهور تفسيرات متباينة ارتبط بعضها بالصراع السياسي الذي كانت تعيشه مصر في تلك الفترة.
فبينما رأى فريق أن بريطانيا كانت المستفيد الأكبر من إضعاف حكومة الوفد وإرباك الحركة الوطنية، اعتبر آخرون أن القصر الملكي كان لديه مصلحة سياسية في التخلص من حكومة الوفد أو إضعافها، بينما ظهرت اتهامات لعناصر سياسية مختلفة، في الوقت الذي رأى فيه مؤرخون أن الأحداث تحولت بصورة عفوية من مظاهرات غاضبة إلى فوضى واسعة.
ولهذا بقيت مسؤولية إشعال حريق القاهرة محل جدل تاريخي، خاصة أن بعض القرائن التي استندت إليها الاتهامات لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية المباشرة، بينما لم تظهر جهة واحدة حُسم قضائيًا أنها أصدرت أمرًا بإحراق القاهرة.
حريق سبق ثورة يوليو بأشهر
لم تتوقف آثار حريق القاهرة عند الخسائر البشرية والمادية، وإنما امتدت إلى المشهد السياسي في مصر، إذ جاء الحريق في وقت كانت فيه العلاقة بين القصر والوفد والاحتلال والحركة الوطنية تمر بأزمة شديدة التعقيد.
وأدت أحداث الحريق إلى إقالة حكومة مصطفى النحاس، وتكليف علي ماهر بتشكيل حكومة جديدة، في ظل حالة سياسية مضطربة ازدادت معها الأزمة بين مختلف القوى الفاعلة في البلاد.
وبعد أقل من ستة أشهر، اندلعت ثورة 23 يوليو 1952، التي أطاحت بالنظام الملكي وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر، لتصبح أحداث 26 يناير واحدة من المحطات التي سبقت الثورة وأسهمت في الكشف عن عمق الأزمة التي كانت تعيشها البلاد في السنوات الأخيرة من الحكم الملكي.





