رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

علي عبدالعال لـ«إيجبتك»: الدراما الإذاعية عالم كامل يبنى من الصوت|حوار

 المخرج الإذاعي علي
المخرج الإذاعي علي عبدالعال

علي عبدالعال لـ«إيجبتك»:

الإذاعة لا تنقل الصورة.. وإنما تعيد صناعتها بالصوت

حولت «أم كلثوم» من 37 حلقة تلفزيونية إلى 107 حلقة إذاعية

استعنت بصوت الشيخ محمد رفعت وتأبين جلال معوض لصناعة مشهد وفاة أم كلثوم

«في حب الرسول» محاولة لاستعادة القيم الإنسانية في زمن السوشيال ميديا

على مدار سنوات من العمل في الإذاعة، خاض المخرج الإذاعي علي عبدالعال تجارب متعددة في التعامل مع الدراما الصوتية، لم يتعامل خلالها مع الإذاعة باعتبارها وسيطًا يفتقد الصورة، وإنما باعتبارها وسيلة قادرة على إعادة تشكيلها داخل خيال المستمع، من خلال الصوت والموسيقى والمؤثرات والفلاش باك.

وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في تجربته لتحويل مسلسل «أم كلثوم»، الذي كتبه محفوظ عبدالرحمن وأخرجه محمد فاضل، من 37 حلقة تلفزيونية إلى 107 حلقات إذاعية، في معالجة لم تكتفِ باختصار الأحداث، وإنما أعادت بناء المشاهد بما يتناسب مع طبيعة الدراما الإذاعية، مستفيدًا من أرشيف الإذاعة المصرية وتسجيلاتها التاريخية.

كما امتدت تجربته إلى تحويل مسلسل «أهل الهوى» إلى عمل إذاعي، إلى جانب مشاركته في تأسيس «دراما FM»، وتوليه إخراج برنامج «في حب الرسول» بإذاعة القرآن الكريم، الذي تناول عددًا من القيم الإنسانية والأخلاقية في السيرة النبوية، في محاولة لاستعادة معانٍ يرى أنها أصبحت أكثر احتياجًا للحضور في ظل التأثير المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي.

ومن مشهد افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، إلى مشهد وفاة أم كلثوم وخروج الجماهير في جنازتها، لجأ إلى أدوات مختلفة لصناعة الصورة بالصوت، مستعينًا بتراث الإذاعة وتسجيلاتها القديمة، ومن بينها صوت الشيخ محمد رفعت وتسجيل تأبين لجلال معوض.

وللحديث عن تجربته في تحويل الدراما التلفزيونية إلى الإذاعة، وكواليس مسلسل «أم كلثوم»، ورحلته مع «دراما FM»، وبرنامج «في حب الرسول»، كان لـ«إيجبتك» هذا الحوار مع المخرج الإذاعي علي عبدالعال.

واليكم نص الحوار: 

كيف جاءت فكرة برنامج «في حب الرسول»؟ وما الرسالة التي أردتم تقديمها ؟

أنا حديث العهد بالعمل في إذاعة القرآن الكريم، ومن الطبيعي أنه في كل المناسبات الدينية تكون هناك خريطة برامجية مختلفة عن الخريطة الأساسية، نعرض خلالها كل الأفكار والبرامج التي يرغب العاملون في تقديمها، ثم تُعرض هذه الأفكار على رئيس الشبكة، وبعد ذلك تُجمع البرامج والأفكار ويُعقد اجتماع عام لكل العاملين الذين يقدمون البرامج، وتتم مناقشة الأفكار المطروحة، لأن البرامج في النهاية تحمل رسائل إنسانية ودينية وثقافية، وفي كثير من الأحيان تكون هناك برامج متشابهة في الفكرة أو المضمون أو طريقة التناول، ولذلك يتم دمج برنامجين أو ثلاثة معًا، أو استكمال فكرة برنامج إذا كانت قد تناولت جانبًا ولم تستكمل جانبًا آخر، وكل ذلك يُطرح داخل اجتماع يحضره رئيس الشبكة ومجموعة من المعدين ومقدمي البرامج، وأنا المخرج الوحيد في إذاعة القرآن الكريم في الوقت الحالي.

وبالنسبة إلى برنامج «في حب الرسول»، كانت هناك فكرة مقدمة من هاني عماشة، وفكرة أخرى مقدمة من صخر فاروق، وكانت الفكرتان متشابهتين في الهدف والمضمون، كما كانت لدي فكرة أخرى تشابهت مع فكرة فؤاد حسين، لكن إسماعيل كلفني بإخراج البرنامج الذي يقدمه صخر فاروق  وهاني عماشة، وبعد ذلك عقدنا اجتماعًا أنا و صخر و هاني، واتفقنا على التناولات التي سنقدمها، واقترحت أن نستضيف الدكتور السيد عبدالباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، ليكون الضيف الثابت والأساسي في البرنامج، بينما يقدم الأستاذ هاني مجموعة من الحلقات، ويقدم الأستاذ صخر مجموعة أخرى.

وكان هدفنا أن نتناول في البرنامج إنسانية الرسول صلى الله عليه وسلم، لأننا في ظل مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا نفتقد الكثير من القيم الإنسانية، فنحن نعيش في وقت أصبحت فيه الدنيا أكثر انفتاحًا، وهذا ربما من طبيعة العصر، لكننا افتقدنا بعض المعاني الإنسانية، فأصبح من الممكن أن يتصرف الإنسان تصرفًا معينًا ويُنظر إليه على أنه نوع من الشطارة أو الذكاء أو العبقرية، بينما ننسى أن هناك إنسانية وقيمًا وأخلاقًا يجب أن تحكم تصرفاتنا، والرسول صلى الله عليه وسلم غرس فينا منذ زمن قيمًا وأخلاقًا ومبادئ عظيمة.

وقدمنا في البرنامج نحو 12 حلقة، تناولنا خلالها موضوعات متعددة، منها العفو، وضربنا مثالًا بعفو الرسول صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة عندما عاد إليها منتصرًا بعد ثماني سنوات من الهجرة، فعندما طلبوا منه العفو وقالوا له: «أخ كريم وابن أخ كريم»، قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»

 وتناولنا أيضًا الرحمة، وتحدثنا عن حب الوطن، وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مكة، رغم كل ما تعرض له خلال سيرته ومسيرته في نشر الإسلام، وكانت مكة هي موطنه الأصلي، التي نشأ وتولد فيها، وكان يشعر بالحنين إليها، ومن هنا أردنا أن نتحدث عن حب الوطن، وكيف يمكن أن نغرس هذا الحب في الإنسان منذ طفولته وحتى الكبر.

كنت من مؤسسي «دراما FM».. كيف بدأت الفكرة ؟

كنت من مؤسسي «دراما FM»، وفكرة الإذاعة تقوم على تحويل العمل التلفزيوني إلى عمل إذاعي، والسؤال كان: كيف يمكن أن نطور هذه الفكرة ونقدمها بصورة مختلفة؟ وكانت فكرة «دراما FM» مطروحة منذ فترة، وكان من المفترض أن تخرج إلى جانب إذاعة حديثة، وكانت هناك تحضيرات لها في فترة الأستاذ سيد حمدي الكنايسي، وكانت هناك أفكار ومسلسلات ومسرحيات يتم إعدادها، لكن الإذاعة لم تظهر إلى النور في ذلك الوقت لأسباب متعددة، وبعد أن جاء الكاتب الصحفي الكبير أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وبدأ الحديث عن تطوير ماسبيرو وعودة ماسبيرو، طُرحت فكرة إذاعة الدراما مرة أخرى.

وكان الدكتور محمد لطفي مشرفًا على تأسيسها، وكون فريقًا للعمل ضم إلى جانبه أنا والزميل محمد تركي، فكنا نحن الثلاثة نعمل على تأسيس «دراما FM»، وكان اختيار الدكتور محمد لطفي مناسبًا جدًا، لأنه كان من قبل مشرفًا على إذاعة «نايل FM» أو «نايل سبيرو FM» في بداياتها، وكانت تضم برامج قديمة ومسلسلات ومسرحيات، ولذلك كان لديه رصيد كبير من المعلومات الموثقة، بالإضافة إلى ذلك عدنا إلى أرشيف ماسبيرو، حيث توجد الدفاتر التي تضم المسلسلات التي سبق إنتاجها، ومع تطور الإذاعة انتقلنا من التسجيل المباشر إلى الاحتفاظ بالشرائط، ثم تطورت التكنولوجيا إلى العمل بنظام الأوتوميشن والعمل على أجهزة الكمبيوتر.

وبالتالي أصبح لدينا شكل محدد لإذاعة الدراما، بداية من اختيار موسيقى معينة وسلوجان معين، وتوحيد الصوت الذي يقدم البرومو، وتوحيد الصوت الذي يقدم السلوجان، بحيث تكون الدراما مناسبة لجميع الأجيال.

تجربة تحويل المسلسلات التلفزيونية إلى أعمال إذاعية ليست جديدة.. فما الذي أردت أن تضيفه إليها؟

تجربة تحويل المسلسلات التلفزيونية إلى أعمال إذاعية ليست تجربة حديثة، ولكن بالنسبة لي، عشت هذه التجربة عندما كنت في إذاعة البرنامج العام، ثم انتقلت إلى إذاعة الأغاني، وكنت مديرًا لإدارة الإخراج، وكان يُذاع في إذاعة الأغاني كل عام خلال شهر رمضان عمل درامي يتناول حياة أحد رموز الأغنية، وكان لدينا المؤلف والمطرب والملحن باعتبارهم العناصر الأساسية في الأغنية المصرية والعربية، بالإضافة إلى الموزع والعناصر الأخرى، لكن عندما لم نعد ننتج عددًا كبيرًا من الأعمال الدرامية في الإذاعة بشكل عام، جاءتني فكرة الاستفادة من المسلسلات التلفزيونية وتحويلها إلى أعمال إذاعية.

ووجدت مسلسل «أم كلثوم»، الذي كتبه الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن، وأخرجه المخرج محمد فاضل، وقامت ببطولته صابرين وحسن حسني وسميرة عبدالعزيز وكمال أبورية ومجموعة كبيرة من نجوم الشاشة العربية، وقلت: لماذا لا يكون لهذا المسلسل نسخة إذاعية؟ وهنا بدأت أفكر في كيفية توظيف تقنيات الإذاعة، من الموسيقى والمؤثرات الصوتية والفلاش باك، لتحويل عمل مثل «أم كلثوم» إلى مسلسل إذاعي يستطيع الناس أن يسمعوه من دون أن يروا الصورة.

وهنا يجب أن نعرف الفرق بين التلفزيون والإذاعة حتى نستطيع أن نقدم المعالجة الصحيحة، ففي التلفزيون وسائل مساعدة كثيرة؛ هناك الكاميرا والشاشة، والإكسسوار والملابس، وحركة الجسم، وحركة الوجه، والابتسامة، والديكور، والداخل والخارج، والليل والنهار، وكل هذه العناصر تساعد في توصيل الحدث، أما في الإذاعة فلا أملك كل هذه العناصر، لدي الصوت والموسيقى والمؤثرات، ومن خلالها يجب أن أصنع الصورة في خيال المستمع.

كما أن الحلقة التلفزيونية قد تصل مدتها إلى 45 دقيقة، بينما الحلقة الإذاعية التي أعمل عليها مدتها نحو ربع ساعة، ولذلك كان عليّ أن أقدم معالجة جديدة تمامًا، فكنت أجلس لمشاهدة حلقات المسلسل التلفزيوني، وأكتب في كراسة، وأعيد تقسيم كل حلقة إلى مشاهد، وأحدد ما يمكن تحويله إلى صوت، وما يحتاج إلى مؤثر، وما يحتاج إلى موسيقى.

وبدأت من التتر، فالتتر التلفزيوني قد يستغرق دقيقة ونصف تقريبًا، وكذلك موسيقى النهاية، وهذا وقت طويل بالنسبة إلى الحلقة الإذاعية، لذلك اختصرت التتر والموسيقى، من دون الإخلال بمضمون الموسيقى أو الجملة الأساسية فيها، حتى أستفيد من الوقت لصالح الدراما، وكان الهدف أن تظل لدينا في النهاية نحو 15 دقيقة من الدراما الصوتية والمؤثرات والموسيقى.

كيف تصنع بالصوت مشاهد كانت الصورة تقوم بالدور الأساسي فيها؟

كانت هناك مشاهد كثيرة تعتمد في التلفزيون على الصورة، وكان لا بد أن أجعل المستمع يشعر بها من خلال الصوت، فعلى سبيل المثال، عندما تكون هناك مجموعة من الأطفال تلعب في الحارة، فنحن في التلفزيون نرى الأطفال، لكن في الإذاعة لا يمكنني أن أقول إنهم يلعبون فقط، بل يجب أن أركب مؤثرًا صوتيًا يجعل المستمع يشعر بأصوات الأطفال والحارة والحركة، وعندما يحدث موقف يحتاج إلى التعبير عن الغضب أو الانفعال، أستخدم المؤثرات الصوتية المناسبة، لأن المستمع لا يرى الصورة.

وكذلك عندما يكون هناك سفر أو استرجاع لذكريات قديمة، أستخدم الفلاش باك، والفلاش باك في التلفزيون عبارة عن صور تتحرك أمام المشاهد، لكنني في الإذاعة أريد أن أعيش المستمع مع الشخصية داخل الذكرى، ولذلك أستخدم المؤثرات الصوتية وأركب عليها ما يسمى «الإيكو»، وهو صدى صوتي يجعل المستمع يدرك الفرق بين الحدث الحالي وما يعود إلى الماضي، والفلاش باك يمكن استخدامه للعودة إلى ذكريات سلبية، أو ذكريات جميلة، أو لتوضيح شيء كان مخفيًا خلال الحلقات ولم يكن ظاهرًا للمستمع أو المشاهد، ثم نكشفه من خلال العودة إلى الماضي.

كما أن هناك نوعين من الموسيقى أستخدمهما: الموسيقى الزمانية والموسيقى المكانية، فالموسيقى الزمانية تنقلني من فترة زمنية إلى فترة أخرى، مثل أن أتحدث عن حدث وقع في زمن معين ثم أنتقل إلى زمن آخر، أما النقلة المكانية فهي الانتقال من مكان إلى مكان، وأحيانًا أجمع بين الزمن والمكان معًا، فالمسافة بين مكانين قد تستغرق نصف ساعة مثلًا، وعندما أنتقل دراميًا من المكان الأول إلى الثاني، أستخدم المعالجة الصوتية والموسيقية المناسبة.

حولت مسلسل «أم كلثوم» من 37 حلقة تلفزيونية إلى 107 حلقة إذاعية.. كيف خضت هذه المغامرة؟

مسلسل «أم كلثوم» كان تجربة مهمة جدًا بالنسبة لي، وكان عدد حلقاته في التلفزيون 37 حلقة، وكانت مدة الحلقة قد تزيد على 45 دقيقة، وقمت بتحويل المسلسل إلى 107 حلقات إذاعية، لأنني لم أكن أريد أن أختزل الدراما أو أقلل منها، فإذا قسمنا 37 حلقة بمتوسط 45 دقيقة، سنجد أننا أمام عدد كبير من الساعات، وأنا قدمت عددًا قريبًا من هذه الساعات إذاعيًا، لأن هدفي لم يكن حذف الدراما، وإنما إعادة صياغتها بما يتناسب مع الوسيط الإذاعي.

وكانت هناك مشاهد مهمة جدًا، من بينها مشهد افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، وكان صوت الشيخ محمد رفعت جزءًا من البرنامج اليومي، ففي النسخة التلفزيونية لم يكن صوت الشيخ محمد رفعت حاضرًا في المشهد، واعتمد المخرج على الصورة، وعلى الاستوديو والساعة التي تشير إلى الخامسة، ثم يقدم المذيع الوصلة التالية، أما في الإذاعة فكان من الطبيعي أن أستفيد من صوت الشيخ محمد رفعت، لأن الإذاعة تملك هذا التراث الصوتي، ولا تحتاج إلى تركيب صورة أو إظهار مكان، فالصوت نفسه يستطيع أن يؤدي الدور.

وهناك مشهد آخر مهم جدًا في الحلقة الأخيرة، وهو وفاة أم كلثوم في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، ثم خروج الجماهير من مختلف أنحاء مصر والوطن العربي للمشاركة في جنازتها، ففي التلفزيون كانت الصورة تقوم بالدور الأكبر؛ نشاهد الجماهير وميدان التحرير وعمر مكرم والناس القادمة من القرى والريف والدول العربية، وكانت الصورة وحدها معبرة، لكن في الإذاعة لا أستطيع وضع صورة.

كيف بنيت مشهد وفاة أم كلثوم إذاعيًا في ظل غياب الصورة؟

عدت إلى دفاتر الإذاعة وتراثها والتسجيلات القديمة، وبدأت أبحث عن مادة صوتية يمكن أن تساعدني في بناء هذا المشهد، وبحثت أيضًا عن مواد مسجلة قبل وفاة أم كلثوم، لأنني كنت أتساءل: هل كانت الإذاعة قد أعدت مادة في حال حدوث الوفاة، أم أنها كانت تتوقع عودتها إلى حياتها الطبيعية؟

وبحثت في المواد المسجلة قبل وفاتها بثلاثة أو أربعة أيام وحتى يوم الوفاة، ووجدت بالفعل تسجيلًا مهمًا جدًا للأستاذ جلال معوض، كان عبارة عن تأبين لأم كلثوم في حياتها، وكان هذا التسجيل مدته نحو 15 إلى 17 دقيقة تقريبًا، لكن الحلقة الإذاعية لديّ مدتها ربع ساعة، ولذلك اختصرت وانتقيت الجمل التي تتناسب مع الوضع الدرامي، وأخذت نحو دقيقتين من هذا التأبين، تحدث فيهما عن حياة أم كلثوم وتاريخها، وختمت بهما حلقات المسلسل الـ107.

وهذه من أهم الحيل والمعالجات التي استخدمتها في تحويل المسلسل التلفزيوني إلى إذاعي، لأنني كنت أبحث عن المادة التي يمكن أن تقوم بالدور الذي قامت به الصورة في النسخة التلفزيونية، وفي هذه الحالة كان أرشيف الإذاعة نفسه هو المصدر الذي أتاح لي بناء المشهد، وتحويل التسجيل الحقيقي إلى جزء من النسيج الدرامي للعمل.

هل كان نجاح «أم كلثوم» هو ما شجعك على خوض تجربة «أهل الهوى»؟

نعم، نجاح مسلسل «أم كلثوم» شجعني على خوض التجربة الثانية، وكانت في أواخر عام 2018 واستمرت إلى نحو شهرين في عام 2019، وكانت التجربة الثانية هي «أهل الهوى»، وهو عمل درامي عن سيد درويش، وكانت الأحداث تدور بين الإسكندرية والقاهرة، وكان الأبطال كثيرين، ومن بينهم فاروق الفيشاوي وإيمان البحر درويش ومجموعة أخرى من الفنانين، وكانت هناك أحداث تاريخية وسياسية كثيرة داخل العمل.

لكن التجربة كانت مقيدة بالنسبة لي بعض الشيء، لأن الموسيقى كانت حاضرة بكثافة، وكانت هناك مؤثرات صوتية وموسيقية كثيرة، ومع ذلك فالعمل في مجمله كان تجربة مهمة، أما «أم كلثوم» فكان لها انتشار أكبر بسبب كثرة إذاعتها، وكثرة الاستوديوهات والحفلات والمناسبات التي كانت تُقام حولها، سواء في ذكرى ميلادها أو رحيلها أو إحياء ذكراها.

وكان يتم أحيانًا أخذ نحو 30 حلقة من المسلسل وإعداد سهرة مجمعة منها وإعادة إذاعتها في مناسبة معينة، وهو ما ساعد على استمرار حضور العمل وانتشاره، وقد استمر حضور المسلسل حتى احتفالية التلفزيون المصري وماسبيرو بعيد ميلاد أم كلثوم في أواخر عام 2025، عندما تم إعداد احتفالية وإذاعة مجموعة من حلقات المسلسل، والحمد لله كان رد الفعل جيدًا جدًا، بالإضافة إلى اللقاءات التلفزيونية التي تحدثت عن التجربة.

وأعتز كثيرًا بأنني كنت ضيفًا معكم في هذا الصرح الإعلامي العريق، وهذا شرف عظيم لي، وقد تلقيت ردود فعل جيدة على التجربة؛ فمثلًا كتبت الصحفية مجدي موريس عن المسلسل، وأشادت باستمتاعها بحلقاته، كما كتب الدكتور حسن عماد مكاوي في «يوميات الأخبار» عن التجربة، وتحدث فيه أيضًا عن العمل، والحمد لله كانت هناك أصداء جيدة جدًا للتجربة.

حتى إن إحدى الصحفيات الزميلات فتحت الراديو بالصدفة واستمعت إلى المسلسل، وكان ذلك من المواقف التي أسعدتني، لأن وصول العمل إلى المستمع بهذه الطريقة يؤكد أن الدراما الإذاعية قادرة على جذب الجمهور والوصول إليه حتى من دون أن يبحث عنها مسبقًا.

وفي النهاية، أرى أن تجربة تحويل الدراما التلفزيونية إلى إذاعية ليست مجرد نقل للعمل من شاشة إلى ميكروفون، وإنما هي إعادة بناء كاملة للعمل باستخدام الصوت والموسيقى والمؤثرات، بحيث يصبح المستمع قادرًا على رؤية الصورة داخل خياله، وهذه في رأيي هي قوة الدراما الإذاعية: أن تجعل الصوت وحده قادرًا على صناعة عالم كامل أمام المستمع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء