رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عمرو موسى: مصر مطالبة بإعادة تقييم دورها الإقليمي واستعادة قوتها الناعمة

عمرو موسى
عمرو موسى

طرح عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق وأمين عام جامعة الدول العربية الأسبق، رؤية شاملة بشأن التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن الصراع العربي الإسرائيلي لا يزال قضية محورية، لكنه لم يعد التحدي الوحيد أمام الدول العربية في ظل تعدد الأزمات والتهديدات.

وشدد موسى خلال تصريحات إعلامية له، عن مستقبل الأمن الإقليمي، على ضرورة أن تتعامل مصر مع التحالفات الجديدة بحسابات دقيقة، وأن تستعيد حضورها الإقليمي وقوتها الناعمة، بالتوازي مع تطوير أدوات العمل الدبلوماسي والإعلامي وتأهيل جيل جديد من الكوادر.

الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد التحدي الوحيد

قال وزير الخارجية الأسبق إن الصراع العربي الإسرائيلي لا يزال يمثل قضية محورية بالنسبة للدول العربية، لكنه لم يعد الصراع الوحيد الذي يشغل المنطقة، في ظل تعدد الأزمات الأمنية والسياسية، موضحا أن المنطقة تشهد مجموعة متشابكة من الملفات، من بينها المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، إلى جانب التطورات في جنوب لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان.

وأكد أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق، أن هذه الملفات لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضايا منفصلة، وإنما يجب النظر إليها ضمن صورة إقليمية شاملة تحدد طبيعة المخاطر والتحديات التي تواجه الدول العربية.

مصر لا تستطيع الابتعاد عن تطورات غرب آسيا

وشدد موسى على أن مصر لا تستطيع أن تنأى بنفسها عن التطورات الجارية في غرب آسيا، مشيرًا إلى أن شبه جزيرة سيناء تمثل جزءًا من غرب آسيا، وهو ما يجعل القاهرة طرفًا أساسيًا في أي نقاش يتعلق بأمن المنطقة.

وأوضح أن مصر لا ينبغي أن تهرول وراء أي تحالف أو ترتيب إقليمي دون دراسة، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تترك التطورات الجارية دون موقف واضح، مؤكدة أن القرارات المصرية في هذا الملف يجب أن تستند إلى أسس استراتيجية ودراسة جادة للمصالح والتهديدات والالتزامات المحتملة.

التروي لا يعني تأجيل القرار

وأشار وزير الخارجية الأسبق إلى أن الظروف الدولية والإقليمية الراهنة تتطلب الثقة والقدرة على اتخاذ القرارات، موضحًا أن الحذر والتروي مطلوبان، لكنهما لا يجب أن يتحولا إلى حالة دائمة تمنع اتخاذ القرارات الجريئة عند الحاجة.

وأكد أن التروي الذي تتبناه مصر حاليًا يجب أن يكون جزءًا من دراسة حقيقية للمتغيرات، وليس مجرد تأجيل للقرار، مشددًا على أن القرار الجريء يصبح مطلوبًا عندما تتضح المصالح والتهديدات والالتزامات.

دعوة لإعادة النظر في الدور المصري

وتطرق موسى إلى التساؤلات المتعلقة بتراجع الدور المصري في بعض الملفات الإقليمية مقارنة بفترات سابقة، متسائلًا عن كيفية استعادة القاهرة لقوتها الإقليمية في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وأشار إلى ملفات الصراع العربي الإسرائيلي والأمن الخليجي والسودان وليبيا، مؤكدًا أن التحولات التي طرأت على هذه القضايا تستوجب إعادة النظر في أسلوب العمل السياسي المصري، مشددا على أن الأدوات التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع التغيرات المتسارعة، داعيًا إلى التحرك من منطلقات جديدة تقوم على دراسة التحالفات والتهديدات والمصالح المتشابكة.

السودان عمق استراتيجي لمصر

وأكد موسى أهمية الملف السوداني بالنسبة لمصر، باعتبار السودان عمقًا استراتيجيًا للدولة المصرية، مشيرا إلى دخول أطراف عربية وغير عربية على خط الأزمة السودانية، موضحًا أن ما يحدث في السودان يمثل تهديدًا لمصر، ولا يمكن للقاهرة التعامل معه باعتباره أزمة بعيدة عن حساباتها الأمنية والاستراتيجية، مشددا على ضرورة أن يكون التعامل مع الملف السوداني جزءًا من رؤية مصرية متكاملة للأمن القومي، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

ضرورة النقاش داخل المؤسسات

وأكد موسى أن التعامل مع الأزمات الإقليمية يحتاج إلى نقاش موسع داخل المؤسسات المختصة، بمشاركة الباحثين والدبلوماسيين ورجال القوات المسلحة والمتخصصين، للوصول إلى رؤية متكاملة بشأن المصالح والخيارات المصرية.

وفي الوقت نفسه، شدد على أهمية اطلاع الرأي العام على التطورات، معتبرًا أن غياب المعلومات الواضحة يدفع المواطنين إلى البحث عن روايات وتفسيرات من مصادر إعلامية مختلفة.

دعوة لإعلام مصري أكثر نشاطًا

ودعا موسى إلى عودة الإعلام المصري إلى دور أكثر نشاطًا في مناقشة الملفات الإقليمية، مؤكدًا أن المواطنين يتابعون التطورات ويبحثون عن تفسير لما يحدث، مشددا على أهمية تقديم نقاش هادئ وموضوعي بمشاركة المتخصصين، بما يساعد الجمهور على فهم التحولات الإقليمية بعيدًا عن الشعارات أو التفسيرات غير الدقيقة.

التحالفات الجديدة تحتاج إلى دراسة

وتناول عمرو موسى التحالفات السياسية والعسكرية الجديدة في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى التحول من تحالف سياسي جمع مصر وتركيا والسعودية إلى ترتيبات عسكرية تضم السعودية وتركيا وباكستان دون مشاركة مصر حتى الآن.

وأوضح أن الدول المشاركة في الترتيب الجديد تعد دولًا صديقة وشقيقة لمصر، وأن وجود تركيا بجانب السعودية وباكستان يخلق تكاملًا عسكريًا يستحق الدراسة، مؤكدا أن وجود مصر ضمن هذا الإطار يمكن أن يحقق قدرًا أكبر من التوازن الإقليمي، إلا أن القرار في النهاية يجب أن يكون مصريًا مستقلًا ويستند إلى بحث المؤسسات المختصة.

تحديد العدو أولًا

وشدد موسى على أن أي تحالف عسكري يجب أن يكون واضحًا في تحديد أهدافه، وفي مقدمتها معرفة الطرف الذي يستهدف التحالف مواجهته.

وطرح تساؤلات حول طبيعة العدو المقصود من التحالف الجديد، وما إذا كان يتعلق بإيران أو إسرائيل أو أطراف أخرى، مؤكدًا أن تحديد التهديد يمثل نقطة أساسية قبل اتخاذ قرار بالمشاركة، مشددا على ضرورة تحديد نطاق التحالف والمنطقة التي يغطيها، خاصة فيما يتعلق بالبحر الأحمر والخليج.

البحر الأحمر في قلب الحسابات المصرية

ولفت موسى إلى أهمية البحر الأحمر بالنسبة لمصر، مشيرًا إلى امتلاك القاهرة ساحلًا طويلًا عليه، وهو ما يجعل أمن المنطقة جزءًا أساسيًا من الحسابات المصرية، مؤكدا أن أي ترتيبات دفاعية جديدة تتعلق بأمن البحر الأحمر يجب أن تخضع لدراسة مصرية دقيقة، وأن تكون القاهرة طرفًا أساسيًا في أي نقاش بشأن مستقبل أمن هذه المنطقة.

التروي في التحالفات موقف سليم

وأكد موسى أن عدم اتخاذ مصر قرارًا متسرعًا بشأن التحالف العسكري الجديد يمثل موقفًا إيجابيًا، لكنه شدد على ضرورة ألا يتحول التروي إلى تأجيل مفتوح، موضحا أن التروي في القرن الحادي والعشرين لا يعني الانتظار لسنوات، وإنما منح صانع القرار الوقت اللازم لدراسة المعلومات والتطورات، والوصول إلى تقييم واضح خلال فترة زمنية مناسبة، مشيرا إلى أن مصر تستطيع أن تكون إحدى قوى التأمين والأمان في المنطقة، شريطة أن تحدد إمكانياتها والتزاماتها والمطالب التي يمكن طرحها على مائدة التفاوض.

خلفية تاريخية لسياسة مصر تجاه الأحلاف

وأوضح موسى أن موقف مصر من الأحلاف العسكرية له جذور تاريخية تعود إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، مشيرًا إلى أن الحكومة الوفدية الأخيرة في عامي 1950 و1951 تبنت رؤية تقوم على عدم الانضمام إلى الأحلاف العسكرية.

وأشار إلى موقف مصر من حلف بغداد، موضحًا أن القاهرة رفضت المشاركة فيه، وهو ما عكس توجهًا مبكرًا في السياسة المصرية نحو عدم الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تفرض التزامات لا تتوافق مع المصالح الوطنية، مؤكدا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر طور هذا التوجه لاحقًا ضمن سياسة عدم الانحياز، لتصبح هذه الرؤية أحد ملامح السياسة الخارجية المصرية.

السياسة الخارجية قابلة لإعادة التقييم

وشدد موسى على أن وجود موقف تاريخي لمصر من الأحلاف العسكرية لا يعني استمرار السياسة نفسها دون مراجعة حتى عام 2026، مؤكدًا أن الظروف الدولية والإقليمية تتغير، وبالتالي يمكن للدولة إعادة تقييم خياراتها وفقًا لمصالحها وتهديداتها.

وأوضح أن المشاركة في أي تحالف جديد يجب أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة، في مقدمتها: 

  • ما الفائدة التي ستعود على مصر؟
  • ما طبيعة الالتزامات؟
  • من هو الطرف الذي يستهدف التحالف مواجهته؟

وأكد أن السياسة الخارجية المصرية تمتلك مساحة للحركة وإعادة التقييم، لكن أي تحول في الموقف من الأحلاف يجب أن يقوم على دراسة دقيقة للمصلحة الوطنية.

القوة الناعمة المصرية تحتاج إلى استعادة

وتطرق عمرو موسى إلى القوة الناعمة المصرية، مؤكدًا أنها لم تعد كاسحة كما كانت في فترات سابقة، لكنها لم تختفِ، ولا تزال تمتلك مقومات قوية يمكن البناء عليها، مشيرا إلى أن مصر لا تزال تمتلك رصيدًا مهمًا في مجالات الفنون والثقافة والإعلام، معتبرًا أن هذا الرصيد يمثل أساسًا يمكن من خلاله استعادة جزء كبير من التأثير المصري في المنطقة، مشيرا أن الشعوب العربية لا تزال تنظر إلى مصر باعتبارها دولة قادرة على تقديم الكثير في مجالات الثقافة والتعليم والترفيه.

التعليم والفنون والإعلام أدوات للقوة الناعمة

وأكد موسى أن استعادة القوة الناعمة المصرية تتطلب تطوير نظم التعليم، والتقدم في مجالات العلم والبحث العلمي، إلى جانب دعم الفنون بمختلف أشكالها، مشيرا إلى أن صناعة المحتوى شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع المنافسة في مجالات المسلسلات والأفلام والقنوات الإعلامية والمنصات المختلفة، مشددا على أن استمرار تقديم المحتوى بالشكل نفسه الذي كان يقدم قبل سنوات لم يعد مناسبًا للمرحلة الحالية، في ظل تغير أذواق الجمهور وتطور أدوات الإنتاج والتوزيع.

تطوير الدبلوماسيين الشباب

وتحدث موسى عن تجربته الطويلة في العمل الدبلوماسي، مؤكدًا أن الشباب المصري يمتلك قدرات وطاقات كبيرة تحتاج إلى منحها الفرصة، مشددا على أهمية إعداد الدبلوماسي الشاب بصورة متكاملة، بحيث يمتلك الجدية والثقافة والاطلاع وإجادة اللغات والقدرة على التعامل والنقاش بهدوء، موضحا أن الدبلوماسي لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل المؤسسة التي يعمل بها وبلده، ولذلك فإن سلوكه وشخصيته وثقافته جزء من الصورة التي يقدمها عن مصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء