أكاد أكون على يقين من أن الله منحنا نعمة الخيال، لا لنحتال بها على الواقع فحسب، وإنما لنمنح أرواحنا فسحة أخرى للحياة؛ عوالم لا أبواب لها، ولا حدود، ولا قوانين تفرض علينا إلى أين نذهب وكيف نعيش.
ربما كان الخيال واحدًا من أرقّ أبواب الرحمة التي نفتحها حين تثقلنا الحياة.
ففي منتصف الضغوط اليومية، حين تضيق الأشياء من حولي، أستطيع أن أترك لخيالي العنان الي حيث الحياه ارحب واجمل ، وأستسلم لأفكاري، ثم أنطلق… إلى أي مكان أريده، دون سيارة، ولا طائرة، ولا حقيبة، ولا حتى طريق.
أحيانًا أتخيل أنني طائر.
أطير مع تلك الطيور إلى حيث تذهب، وأرتفع فوق البشر قليلًا، فأرى الحياة من أعلى، وأكتشف كم هي بسيطة حين نتحرر من كل ما اخترعناه نحن لأنفسنا.
لا نقود، ولا ملابس، ولا سيارات، ولا طائرات.
مجرد جناحين، وشجرة، وبعض الحبوب.
أتنقل بين الأغصان، من غصن إلى غصن، ألتقط رزقي، ثم أعود إلى شجرتي التي تحميني وتؤويني. لا أطلب أكثر من ذلك.
وفجأة، تصبح أكبر مشكلاتي كعصفورة هي أن يأتي من يهدم وطني، ويقتلع أشجاري، ويقتلني أنا وصغاري، ويقضي على شعبي… فقط لأن الإنسان قرر أن يمد يده إلى ما ليس له، ليصنع مكانًا للقبح والفوضى.
عندها أترك الشجرة وأطير بعيدًا.
أبحث عن حياة أخرى.
فأجد البحر.
وأقرر أن أكون سمكة.
لا يهم إن كنت صغيرة أو كبيرة، فالبحر واسع بما يكفي للجميع. وربما أكون سمكة كبيرة تستطيع أن تغوص إلى أعماق لا يصل إليها أحد، وتسبح إلى شواطئ بعيدة لم ترها من قبل.
يا لها من حياة!
زرقة ممتدة، وماء يحيط بي من كل جانب، وحرية لا تحتاج إلى تعريف.
أسبح طوال الوقت، فهذه فطرتي فالماء موطني، وحركتي فيه هي حياتي.
ولا أحتاج إلى الكثير… بعض الغذاء الذي يمنحني القوة، وماء نظيف، ومساحة أتحرك فيها، وأمان لا يهدده أحد.
أملك شيئًا واحدًا، لكنه يساوي كل شيء:
الحرية.
لكن حتى وأنا سمكة، أكتشف أن للإنسان حضورًا في عالمي أيضًا.
يتعدى على موطني.
يلوث مياهي.
يفسد شواطئي.
يطاردني، ويقتلني، ويصطادني، مع أنني لم أؤذه يومًا، ولم أطلب منه شيئًا، ولم أفكر أصلًا في أن آخذ منه شيئًا.
وأظل، وأنا أسبح بعيدًا، حائرة أمام السؤال نفسه:
لماذا لا يعيش كل مخلوق على هذا الكوكب راضيًا بما آتاه الله من فطرة؟
فالطير مكتفي بأن يكون طائرًا!!
والحيوان مكتفي بذاته كحيوان
والنباتات مكتفيه بما خلقت له
لكن الإنسان يحتاج دائمًا إلى أن يصبح شيئًا آخر؟
وبعد رحلة قصيرة في خيالي، أعود إلى عالمي الحقيقي، فأجد أن الإنسان ربما يكون أكثر مخلوقات الأرض احتياجًا إلى ما هو خارج طبيعته.
نحن لا نكتفي بما لدينا.
نريد المزيد.
ثم المزيد.
ثم ننظر إلى ما لدى الآخرين، فنريد ما لديهم أيضًا.
نصنع لأنفسنا أهدافًا لا تنتهي، ونركض خلفها حتى ننسى لماذا بدأنا الركض أصلًا.
نريد بيتًا أكبر، وسيارة أفضل، ومالًا أكثر، ومكانة أعلى، وصورة أجمل، وحياة تبدو للآخرين وكأنها مكتملة… حتى لو كانت أرواحنا في الداخل قد أنهكها السعي.
والأغرب أننا لا نكتفي بتعذيب أنفسنا.ولكننا أخذنا حق الاعتداء علي كل ماهو حي
أحيانًا نمد أيدينا إلى الطبيعة، فنقتلع شجرة، ونلوث بحرًا، ونخيف طائرًا، ونقتل حيوانًا، ونفسد موطنًا كاملًا، فقط لأن لدينا رغبة جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وكأن الإنسان لم يعد يريد أن يعيش حياته فقط، بل يريد أن يعيد تشكيل العالم كله وفقًا لرغباته.
وربما هنا تكمن المفارقة.
لقد منحنا الله العقل والخيال والطموح، وهي نعم عظيمة، لكننا أحيانًا نحولها من أدوات للحياة إلى أدوات للموت .
فماذا لو جربنا، ولو لللحظات أن نعيش مثل طائر
أن نأكل حين نجوع، وننام حين نتعب، ونفرح حين تشرق الشمس، ونعود إلى شجرتنا حين يحل المساء؟
أو مثل سمكة…
أن نسبح في الماء دون أن نسأل إلى أين سنصل، ودون أن نقارن أنفسنا بسمكة أخرى، ودون أن نحتاج إلى أن نثبت لأحد أننا الأفضل.
ربما لو فعلنا ذلك قليلًا، لاكتشفنا شيئًا بسيطًا جدًا، نسيناه ونحن نركض:
أن الحياة ليست دائمًا فيما نملك.
أحيانًا تكون فيما لا نحتاج إلى امتلاكه.
ولعل أجمل ما في الخيال أنه يسمح لنا، ولو لدقائق، أن نخلع عن أرواحنا كل ما أثقلها، ونعود كما خلقنا الله أول مرة…
خفافًا، أحرارًا، مكتفين.
ثم نعود إلى حياتنا، ولكن بقلب أكثر رحمة، ونظر أكثر اتساعًا، وسؤال لا يفارقنا:
هل نحن نعيش الحياة كما أرادها الله لنا، أم أننا صنعنا لأنفسنا حياة نركض خلفها حتى نسينا أن نعيش؟.