رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف يغير التحول الرقمي حياتنا القانونية؟

مع تغيّر العصور و تبدل الأزمنة، تتبدل المفاهيم لتتشكل منها مفردات و معان جديدة، تكون أكثر اتساقا مع ما نشهده اليوم من تطورات متسارعة. تضعنا هذه المتغيرات في حالة دائمة من الترقب، و تدفعنا للوقوف طويلا أمام تحدياتها التعددة لتجعلنا نفكر في الغد بصورة أكثر شمولا و اتساعا؛ خاصة في ظل عصر التحول الرقمي. و رغم ما يقدمه هذا التحول من أدوات متنوعة تستهدف السرعة و الإنجاز، إلا أنه يترك أثرا وتغيرا جذريا يؤثر بشكل مباشر على حياتنا اليومية، و على طبيعة العلاقة بين القانون ووالأفراد بشكل خاص و هو ما يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يغير التحول الرقمي حياتنا القانونية؟.


و لعل خير مثال يُجسد هذا التغير الجذري ما شهده العالم في 13 مارس من عام 2024، عندما اعتمد البرلمان الأوروبي "قانون الذكاء الاصطناعي". فقد أوضحت المذكرة التفسيرية للتشريع أن الذكاء الاصطناعي يمثل عائلة من التقنيات سريعة التطور التي تحمل معها فوائد جليّة؛ كالإبتكار، و زيادة الكفاءة، والقدرة على التنبؤ. و في الوقت ذاته، لم يغفل القانون الأخطار والأضرار المحتملة التي قد تمس الأفراد والمجتمع، أو تنتهك الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدساتير. و من هنا، جاء الهدف الأسمى لهذا القانون ليمثل نقطة توازن دقيقة بين تعظيم الفوائد من جهة، وتقليل المخاطر على الحقوق وحرية الأفراد من جهة أخرى.


ولم يكن هذا التحول التشريعي بمعزل عن الواقع؛ فقد أصبح الاستخدام اليومي للتقنيات الرقمية بالنسبة للمواطنين عنصرا لا غنى عنه، إلى الحد الذي جعل عمل السلطات العامة شبه مستحيل دون الاعتماد عليها. و من هذا المنطلق، ارتدت الإدارة العامة ثوبا جديدا؛ حيث أصبحت القرارات تُتخذ كليا أو جزئيا استنادا إلى خوارزميات قائمة على قواعد يبرمجها البشر يدويا، مما نقل العلاقة بين المواطن والدولة إلى مساحة جديدة كليا.


أمام هذا الواقع، لم يعد التقدم التكنولوجي مجرد حدث عابر أو مسألة قانونية عادية تحتاج إلى معالجة جزئية، بل أصبح يضع المبادئ الدستورية بأكملها تحت ضغط جوهري يُحتم مناقشتها من منظور دستوري جديد. ففي الماضي، كان الفكر الدستوري يستند إلى مفاهيم تقليدية مثل: "مبدأ الفصل بين السلطات"، و "الحماية القضائية الفعالة"، و "الحقوق الأساسية".

 أما اليوم، فنحن بحاجة إلى تكييف جديد لهذه المفاهيم لمواجهة تحديات الاستخدام الواسع للتقنيات؛ و هو ما أدى إلى ظهور مفهوم "الفكر الدستوري الرقمي"، كأحد أحدث المفاهيم التي صاغت ما يُعرف بـ "القانون العام الرقمي في الدولة الخوارزمية".


إن صعود هذه التقنيات بات يؤثر على القيم الدستورية بطريقة تختلف جذريا عن التحديات التي كان يتعامل معها القانون الدستوري بصورة تقليدية. و من هذا المنطلق بالذات، اكتسب قانون الذكاء الاصطناعي أهميته؛ إذ يتمثل أحد أبرز أهدافه في ضمان أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي آمنة و محترمة للقوانين المتعلقة بالحقوق الأساسية.


و مع ذلك، فإن هذا التطور قد يكشف عن نقاط ضعف إدارية جديدة؛ إذ قد يعجز بعض المواطنين عن ممارسة حقوقهم على قدم المساواة، مواجهين حواجز إدارية معقدة، أبرزها تفاوت مستوى "الثقافة الرقمية" المطلوبة. و نتيجة لذلك، بدأ القانون الإداري يتجه نحو الرقمنة و الاعتماد على نماذج الاستقلالية الذاتية، ليبرز دور "الفكر الدستوري الرقمي" في فهم وتشكيل كيفية إعادة التكنولوجيا لترسيخ قيم و مبادئ الدستور.


وهنا يُمكننا تعريف "الدستور الرقمي" بأنه: الأيديولوجيا التي تعمل على تكييف القيم الدستورية المعاصرة لتتلاءم مع متطلبات المجتمع الرقمي. و قد تجسّد هذا المفهوم عمليا على مستوى الاتحاد الأوروبي، الذي أکد في وثيقة "الحقوق والمبادئ الرقمية" على ضرورة وضع الإنسان في قلب التحول الرقمي، و صياغته بشكل عادل ومستدام للحفاظ على القيم الإنسانية.


في النهاية لا يمكن اختزال الحياة الدستورية الرقمية في إطار نظري يتم تطويره داخل أروقة البحث القانوني فحسب؛ بل إن تشريعات حديثة كـ "قانون الذكاء الاصطناعي" تسهم بشكل فعال في بناء إطار عملي مشترك لهذه الحياة الرقمية، لأنها تنظم أعمال السلطات، وتوطن النهج الدستوري لمعالجة تحديات مجتمع بات يقوم أساسه على الخوارزميات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء