رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في كل فجر وقبل أن تستيقظ المدن من نومها تخرج من قُرى الريف أجساد غضة لم تكتمل ملامح أنوثتها بعد فتيات في عمر الزهور في أربعة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر عاماً يحملن أوجاع أُسر كاملة على أكتافهن النحيلة يمتطين صناديق سيارات الربع نقل المتهالكة أو يتكدسن في حافلات سريعة متجهات نحو مزارع الفول السوداني والعنب أو خلف أسوار مصانع معتمة ليبدأ سيناريو حزين يُكرر نفسه بصورة مرعبة في رحلة لم تكن يومًا بحثًا عن رفاهية أو تحسين دخل بل هي معركة حافية الأقدام لجمع مائة جنيه في اليوم ثمن لقمة عيش مخضبة بعرق القاصرات لكنّ السؤال الذي يعتصر القلوب وجعًا هو لماذا يتحول الرزق الحلال في بلدنا إلى كفن.

 

إن أشد ما تؤلم في هذه الحوادث ليس فقط رهبة الفقد وحرقة الموت بل التعامل مع هذه الأرواح وكأنها مجرد أرقام تتبدل في التغطيات الصحفية تسعة ضحايا اليوم وخمسة عشر بالأمس فهؤلاء الفتيات لسْنَ أرقامًا صماء بل كان لكل واحدة منهن اسم وحلم بسيط وضحكة تملأ بيتها وصديقات في المدرسة أو القرية يشاركونهن نفس العمر ونفس البراءة وفاجعة الموت لا تتوقف عند لحظة وقوع الحادث بل تكسر أسرًا بأكملها وتترك ندوبًا لا تندمل في قلوب أمهات وآباء يواجهون الموت الفجائي لأبنائهم وتزرع الخوف في نفوس صديقاتهن اللاتي يجدن أنفسهن يواجهن نفس المصير يوميًا في رحلة البحث عن القوت.

 

اليوم نفتح أعيننا على صرخة طفلة تقف على قارعة الطريق بالإسماعيلية وتقول بذهول يقطع الفؤاد بنيجي كل يوم علشان جمع الفول السوداني بـ 100 جنيه وكنت نايمة وصحيت على الحادثة وأختي ماتت وأنا دلوقتي مستنية جثتها وهذه الفتاة الصغيرة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في طابور الانتظار الحزين فقبلها وقف الآباء والأمهات بقلوب مفجوعة عند مداخل القرى والمشفيات ينتظرون وصول جثامين بناتهم اللاتي أُطلق عليهن فتيات العنب بالمنوفية بعد أن دهستهن الشاحنات ونفس الوقفة ونفس الذهول تكررا أمام أبواب مصنع العبور وهم ينتظرون استخراج جثامين فتياتهم اللاتي حُوصرن خلف الأبواب المغلقة والمحروقة فالمشهد هو هو والوجع يكرر نفسه في أهالٍ ينتظرون على قارعة الطريق وصول صندوق خشبي يحمل زهرة أسرهم فأيُّ قسوة هذه وأيُّ وجع هذا الذي يجعل طفلة بعمر الرابعة عشرة تنتظر جثة شقيقتها لتعود بها إلى المنزل بدلاً من أن تعود معها بغداء بسيط لأهلهما.

 

إن القوانين والتشريعات المحلية والدولية صريحة وواضحة في تجريم إقحام الأطفال والقاصرات في الأعمال الشاقة والمخاطرة بطفولتهن أو إجبارهن قسرًا تحت وطأة الحاجة على العمل في ظروف غير آمنة فحظر عمالة القاصرات وتوفير الحماية القانونية لهن ليس ترفًا بل هو حق أصيل يضمن ألا تُسلب طفولتهن على حواشي الطرق أو داخل الورش والمصانع ونحن هنا لا نطالب أحداً بتوزيع أموال أو إحسان ولا نتحدث عن شعارات اقتصادية معقدة بل نسرد هذه المآسي لأننا إنسانيًا وأخلاقيًا لا نملك الحق في العبور فوق هذه الحوادث أو المرور عليها مرور الكرام فهذا هو دورنا الأصيل في أن نكون صوتًا لكل بنت سُلب صوتها وصدى لكل ضحية أُطفئ نورها وهي تسعى وراء الرزق الشريف.

 

وأنا أستعرض هذه المشاهد المفجعة وأتأمل هذا الشريط المتصل من الدماء والدموع يحضرني سؤال ملحّ لا يبارح ذهني وأظنه يدور في ذهن كل من يملك ذرة من إنسانية حول أين أجهزة الدولة ومؤسساتها المنوط بها الحماية من كل هذه الفواجع فأفكر في نواب الشعب والشيوخ تحت قبة البرلمان وهم من يفترض أنهم حلقة الوصل وممثلو هذه القرى المكلومة وأتساءل عن دورهم التشريعي في تغليظ العقوبات على سماسرة العمالة ودورهم الرقابي في استدعاء الوزراء ومساءلتهم عقب كل حادثة بدلاً من الاكتفاء ببيانات النعي وأتساءل عن وزارة العمل والرقابة على السلامة المهنية وأين حملات التفتيش الميدانية الصارمة على المزارع والمصانع التي تشغّل القاصرات في ظروف بيئية قاتلة ومتى تُغلق المنشآت المخالفة ويُحال أصحابها للمحاكمة الجنائية بدلاً من الاكتفاء بغرامات لا تسمن ولا تغني من جوع ثم يخطر ببالي دور وزارة الداخلية والإدارة العامة للمرور وكيف تمر سيارات الربع نقل والميكروباصات المتهالكة وهي تحمل عشرات الأطفال والفتيات في صناديق مكشوفة على الطرق السريعة أمام أعين الدوريات المرورية دون مصادرة أو ردع حاسم ولا يغيب عن ذهني دور وزارة التضامن الاجتماعي وأين شبكات الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للأسر الأكثر احتياجًا في الريف والتي يفرض غيابها على طفلة بعمر الرابعة عشرة أن تترك مدرستها لتلقي بنفسها في أحضان التهلكة وحتى المجلس القومي للطفولة والأمومة وأين أدوار التقصي وخطوط النجدة والتدخل القانوني لحماية القاصرات من الاستغلال الاقتصادي القسري وملاحقة المتسببين في هذه الجرائم وبما أنكم جميعًا تمتلكون أدوات التغيير والمنع وبيدكم القوانين والرقابة والتنفيذ فكيف تسمحون لهذا الواقع المرير أن يستمر بهذه القسوة.

 

عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة إننا لا نكتب هذه الكلمات لنردد تقارير صماء أو لنسرد أرقامًا في نشرة الأخبار بل نكتب لأن أرواح هؤلاء الصغيرات أمانة في ضمير المجتمع ولأن الفاجعة التي تعصر قلوب أهالهن وأصحابهم هي جرح ينزف في جسدنا جميعًا فقد تعبت القرى من سرادقات العزاء وشبعت الأمهات من الدموع وحان الوقت كي نكون جميعًا الحصن والصوت لهؤلاء الضحايا حتى لا نعود مجددًا لنتساءل بمرارة متى نتوقف عن عدّ جثامين الفتيات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء