نفي عمر مكرم.. كيف أنهى محمد علي الزعامة الشعبية في مصر؟
تحل اليوم ذكرى نفي الزعيم الوطني عمر مكرم إلى دمياط عام 1809، بقرار من محمد علي باشا، رغم الدور البارز الذي لعبه مكرم في وصوله إلى حكم مصر عام 1805. ويعد عمر مكرم واحدًا من أبرز رموز الزعامة الشعبية في مصر خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، إذ امتلك نفوذًا واسعًا بين المصريين، وشارك في عدد من التحركات التي طالبت بالعدل ورفع الظلم عن الأهالي، قبل أن تتحول علاقته بمحمد علي من التحالف إلى الصدام.
عمر مكرم.. من الأزهر إلى الزعامة الشعبية
ولد عمر مكرم في أسيوط عام 1750، وانتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته في الأزهر الشريف، قبل أن يتولى نقابة أشراف مصر عام 1793، ويحظى بمكانة كبيرة بين العامة والخاصة. وبرز دوره السياسي والشعبي بصورة واضحة عام 1795، عندما قاد حركة شعبية ضد ظلم الحاكمين المملوكيين إبراهيم بك ومراد بك، مطالبًا بإقامة العدل ورفع الضرائب عن كاهل الفقراء والاحتكام إلى الشريعة، وهو ما عزز مكانته باعتباره أحد الأصوات المؤثرة في الشارع المصري.
كيف ساهم في وصول محمد علي إلى الحكم؟
ارتبط اسم عمر مكرم بشكل وثيق بالحركة الشعبية التي دعمت محمد علي في مواجهة المماليك، حيث شارك في المناداة بتوليه ولاية مصر، ثم تدخل لدى السلطان العثماني من أجل الإبقاء عليه في منصبه. وفي بداية حكمه، حرص محمد علي على كسب تأييد الزعماء الشعبيين والعلماء، وقدم وعودًا بالحكم بالعدل، كما قبل بفكرة وجود سلطة رقابية من جانبهم، إلا أن هذا التوافق لم يستمر طويلًا مع سعي محمد علي إلى بناء سلطة مركزية قوية والتخلص تدريجيًا من القوى التي يمكن أن تشكل مركزًا مستقلًا للنفوذ.
الضرائب تشعل الخلاف بين الطرفين
بدأت العلاقة بين محمد علي وعمر مكرم تتجه نحو الصدام بصورة أكبر عام 1809، عندما فرض محمد علي ضرائب جديدة على الأهالي في شهر يونيو، وهو ما أثار غضب الناس ودفعهم إلى اللجوء إلى عمر مكرم، الذي وقف إلى جانبهم وهدد السلطة بتحريك ثورة شعبية واسعة إذا استمرت في فرض الأعباء على المصريين. وفي الوقت نفسه، استفاد محمد علي من حالة الانقسام بين عدد من المشايخ والأعيان وعمر مكرم، واستمال بعض معارضيه بالمال، في محاولة لإضعاف مكانته ونفوذه داخل المجتمع.
رفض التوقيع على حسابات محمد علي
زاد الخلاف بين الطرفين بعدما أعد محمد علي حسابًا كان يعتزم إرساله إلى الدولة العثمانية لإثبات أوجه إنفاق مبالغ جرى جمعها من البلاد، وطلب من عدد من زعماء المصريين التوقيع عليه باعتباره شهادة منهم على صحة ما ورد فيه. إلا أن عمر مكرم رفض التوقيع، وشكك في محتويات الحساب، وهو موقف عكس اتساع الفجوة بين الزعيم الشعبي ومحمد علي، خاصة مع محاولة الأخير فرض سيطرته على مختلف مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ في البلاد.
عزل عمر مكرم ونفيه إلى دمياط
استدعى محمد علي عمر مكرم لمقابلته، لكن مكرم امتنع عن الذهاب إليه، واقترح أن يتم اللقاء في بيت السادات، وهو ما اعتبره محمد علي إهانة لمكانته. وعلى إثر ذلك، جمع عددًا من العلماء والزعماء، وأعلن عزل عمر مكرم من نقابة الأشراف وتعيين الشيخ السادات بدلًا منه، مستندًا إلى اتهامات وجهت إلى مكرم، قبل أن يصدر قرارًا بنفيه من القاهرة إلى دمياط عام 1809، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من وجود الزعامة الشعبية المستقلة في المشهد السياسي المصري.
نفي عمر مكرم ونهاية الزعامة الشعبية
أدى نفي عمر مكرم إلى تراجع نفوذ الزعامة الشعبية الحقيقية في الساحة السياسية، وحل محلها عدد من المشايخ الذين استطاع محمد علي إخضاعهم لنفوذه بالمال والمزايا والامتيازات، وهو ما أطلق عليهم المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وصف «مشايخ الوقت». وبذلك تمكن محمد علي من تقليص واحدة من أبرز القوى التي كان يمكن أن تقف في مواجهة سلطته أو تفرض عليه نوعًا من الرقابة الشعبية، بينما بدأ في الوقت نفسه في ترسيخ نظام حكم أكثر مركزية.
عودة الزعيم.. ومحمد علي ينفيه من جديد
استمر عمر مكرم في منفاه نحو عشر سنوات، قبل أن يعود إلى القاهرة في يناير 1819، حيث استقبله الأهالي بحفاوة كبيرة، وتوافدت الوفود عليه، في إشارة إلى استمرار مكانته في وجدان المصريين رغم سنوات الغياب. إلا أن مكرم كان قد تقدم في العمر وفضّل الابتعاد عن الحياة العامة، ومع ذلك ظل وجوده يمثل مصدر قلق لمحمد علي، خاصة مع اندلاع انتفاضة القاهريين ضد الضرائب الباهظة في مارس 1822، فأعاد محمد علي نفيه خارج القاهرة خشية أن يكون لوجوده تأثير في حركة الأهالي.
نهاية عمر مكرم
لم يبتعد عمر مكرم طويلًا عن القاهرة قبل أن تنتهي حياته في العام نفسه، بعدما قضى سنوات في مواجهة الحكام والدفاع عن مطالب الأهالي، وتحمل النفي والإبعاد بسبب مواقفه السياسية والشعبية. ورغم أن محمد علي نجح في إقصائه عن المشهد، فإن عمر مكرم ظل حاضرًا في الذاكرة التاريخية باعتباره أحد أبرز رموز الزعامة الشعبية في مصر، والشخصية التي ساهمت في صعود محمد علي إلى الحكم قبل أن تصبح من أبرز القوى التي سعى إلى التخلص من نفوذها.





