دار الكتب تحتفي بذكرى ميلاد نجاة الصغيرة في ندوة عن مسيرتها الفنية
احتفلت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، برئاسة الدكتور أسامة طلعت، بذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة، من خلال ندوة نظمتها قاعة الموسيقى التابعة للإدارة المركزية لدار الكتب، برئاسة الأستاذ الدكتور مينا رمزي، وبحضور عدد من الكتاب والنقاد والمتخصصين، الذين تناولوا مسيرتها الفنية والإنسانية، وناقشوا خصوصية صوتها ومكانتها في وجدان الجمهور المصري والعربي.
بدأت فعاليات الندوة بالسلام الجمهوري لجمهورية مصر العربية، تلتها كلمة افتتاحية وترحيبية قدمتها رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى، استعرضت خلالها جانبًا من المحطات الأولى في حياة نجاة الصغيرة، وألقت الضوء على المكانة الفنية الاستثنائية التي احتلتها «قيثارة الشرق» في وجدان الجمهور على مدار عقود طويلة، وما قدمته من أعمال غنائية وسينمائية رسخت حضورها بين أبرز الأصوات النسائية في تاريخ الفن المصري والعربي.
وتناول أحمد الشوكي، الشاعر والموسيقار والصحفي بجريدة الوفد، خلال كلمته جانبًا من علاقته بالفنانة نجاة الصغيرة، التي اقترب منها خلال سنواتها الأخيرة في مصر وشهد بعض محطاتها الفنية عن قرب، كاشفًا عن مشروع فني كان يجمعه بها لتغني إحدى قصائده، إلا أنه لم يكتمل بسبب الظروف النفسية الصعبة التي مرت بها الفنانة عقب وفاة شقيقتها الفنانة سعاد حسني. كما تحدث الشوكي عن بعض ملامح شخصيتها الإنسانية وعلاقاتها بالمقربين منها، مستعرضًا شهادات عدد من الفنانين الذين تعاونوا معها، ومن بينهم الموسيقار هاني شنودة الذي قدم لها ألحانًا مميزة منها «بحلم معاك» و«يوم الهنا»، إلى جانب دور الموسيقار محمد كرم في قيادة فرقتها، قبل أن يتوقف عند فلسفة صوت نجاة وخصوصيته، التي جعلت موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب يراه حالة استثنائية، مشيرًا كذلك إلى تقديرها للكلمة وأصحابها وعلاقتها بالصحفيين والمثقفين، ومن بينهم الكاتب كامل الشناوي.
نجاة.. حالة وجدانية
ومن جانبه، أكد الكاتب الصحفي حسام أبو العلا، مدير تحرير مجلة أكتوبر، أن نجاة الصغيرة لم تكن مجرد صوت غنائي، وإنما مثلت حالة وجدانية وقمة في الإحساس ونبضًا للرومانسية الصادقة، مشيرًا إلى أنه نشأ على صوتها منذ الصغر عبر المذياع، وتعلم منها كيف يكون للصمت صوت وللكلمة دفء، وكيف يرتبط الغناء بالصدق والإحساس. واستعرض أبو العلا أربع محطات مفصلية أسهمت في تشكيل شخصية نجاة الفنية، بدأت بالبيئة الفنية التي نشأت فيها باعتبارها ابنة الخطاط السوري محمد كمال حسني والأخت غير الشقيقة للفنانة سعاد حسني، ثم بدايتها المبكرة في الإذاعة وهي في التاسعة من عمرها وتتلمذها على يد كبار الملحنين، مرورًا بتجربتها السينمائية خلال الستينيات والسبعينيات من خلال أفلام مثل «الشموع السوداء» و«شاطئ المرح» و«جفت الدموع»، وصولًا إلى شراكتها الفنية مع كبار الملحنين، ومن بينهم محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل، مؤكدًا أن حرصها على خصوصيتها وابتعادها عن الأضواء عمّقا علاقتها بالجمهور وجعلاها مرآة يرى فيها كل مستمع نفسه.
وفي مداخلة عاطفية، أكدت الأديبة والكاتبة غادة مأمون أن نجاة الصغيرة لم تكن يومًا مجرد مطربة، وإنما كانت حالة ومدرسة في الإحساس، وامتدادًا لامرأة جعلت من الهمس لغة ومن الصمت بيانًا ومن الحزن أناقة، مشيرة إلى أن أجيالًا كاملة نشأت على صوتها الذي لم يكن يعتمد على الضجيج، وإنما يصل إلى القلوب من خلال الصدق. وأضافت أن صوت نجاة لم يكن صوتًا للسهر فقط، وإنما كان صوت عتاب واعتراف رقيق، مؤكدة أنها قدمت نموذجًا لفكرة أن القوة ليست في الصراخ، وأن الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات نفسه بصورة مستمرة، وإنما يمكن أن تظل أغنية واحدة صادقة حاضرة في الوجدان، مستشهدة بأعمال «أيظن»، و«إلا أنت»، و«لا تكذبي»، و«أنا بعشق البحر»، و«عيون القلب»، التي أسهمت في ترسيخ مكانتها لدى الجمهور المصري والعربي، لافتة إلى أن نجاة اعتزلت الأضواء لكنها لم تعتزل القلوب، وأن الاحتفاء بها يمثل تكريمًا لهذا الحضور الفني والإنساني قبل أن يكون تكريمًا لشخصها.
قراءة في تجربة نجاة
وقدم الناقد الفني معتز محسن قراءة تحليلية لمسيرة نجاة الصغيرة، موضحًا أنها نجحت في تقديم أداء متفرد جمع بين البساطة والرصانة، واستطاعت أن تحول محدودية مساحتها الصوتية إلى طاقة فنية كبيرة، من خلال الاعتماد على الإحساس الدافئ والصدق والقدرة على التعبير عن الكلمة. وأشار إلى أن نجاة فرضت بأسلوبها مفهوم «الصوت الصغير ذي المكانة الكبرى»، في ظل التحولات التي شهدها الفن المصري عقب ثورة 23 يوليو، لتصبح واحدة من الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوجدان المصري من خلال أسلوبها الهادئ والمميز.
وأضاف محسن أن نجاة نجحت كذلك في تقديم القصيدة الفصيحة بصورة عصرية جعلتها قريبة من الأجيال الجديدة، مستفيدًة من كلمات الشاعر نزار قباني في عدد من أشهر أعمالها، ومن بينها «أيظن» عام 1960، و«ماذا أقول له؟» عام 1965، و«متى ستعرف كم أهواك؟» عام 1975، و«أسألك الرحيل» عام 1990، مؤكدًا أن قدرتها على تقديم القوافي الفصيحة ببساطة وسلاسة أسهمت في منح القصيدة الغنائية حضورًا خاصًا لدى الجمهور.
واختتم محسن حديثه بالتأكيد على أن نجاة الصغيرة تظل مدرسة فنية قائمة بذاتها، رغم مرور أكثر من ربع قرن على اعتزالها، موضحًا أن دقة اختيارها لأعمالها وتركيزها على الكيف وليس الكم أسهما في ترسيخ مكانتها ضمن صفحات الخلود الفني.
فقرات غنائية
وتخلل البرنامج الاحتفالي عدد من الفقرات الغنائية، حيث قدمت الموهبة الشابة إيمان يوسف أربع أغنيات من أبرز ما قدمته نجاة الصغيرة، وأطربت الحضور بصوتها العذب وأدائها الذي استعاد روح أعمال «قيثارة الشرق»، وسط تفاعل كبير وإشادة من الحضور الذي حرص على المشاركة في هذه الاحتفالية التي استحضرت جانبًا من تجربة نجاة الفنية ومكانتها المستمرة في الذاكرة الموسيقية المصرية والعربية.





