رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كسوف الشمس عند المصريين القدماء.. عندما غابت عين رع وأظلمت السماء

صورة تعبيرية ـ كسوف
صورة تعبيرية ـ كسوف الشمس عند المصريين القدماء

تستعد الكرة الأرضية، اليوم الأربعاء 12 أغسطس 2026، لمتابعة كسوف كلي للشمس، في ظاهرة فلكية نادرة يترقبها هواة الفلك حول العالم، وبينما يفسر العلم الحديث الكسوف بوصفه ظاهرة تحدث عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب ضوء الشمس عن أجزاء من سطح الأرض، فإن المصريين القدماء نظروا إلى السماء من زاوية مختلفة، امتزج فيها رصد الظواهر الكونية بالعقيدة والهوية.

الشمس في عقيدة المصريين القدماء

احتلت الشمس مكانة مركزية في العقيدة المصرية القديمة، وارتبطت بصورة أساسية بالمعبود رع، الذي كان يمثل قوة الشمس والنور والنظام، ولم تكن الشمس بالنسبة إلى المصري القديم مجرد جرم سماوي، وإنما كانت جزءًا من منظومة كونية مرتبطة بالحياة والخلق واستمرار النظام في العالم.

ولهذا، فإن اختفاء ضوء الشمس بصورة مفاجئة خلال النهار كان من الممكن أن يحمل دلالات دينية ورمزية عميقة، خاصة أن النور والظلام كانا حاضرين بقوة في التصورات المصرية القديمة حول النظام الكوني والصراع بين النظام والفوضى.

هل عرف المصريون القدماء كسوف الشمس؟

رغم أن المصريين القدماء كانوا من أكثر الحضارات اهتمامًا برصد السماء وحركة الأجرام السماوية، فإن الأدلة المصرية القديمة التي تصف كسوفًا شمسيًا بشكل صريح ومؤكد محدودة للغاية، وتشير مصادر تاريخية وفلكية إلى أن أقدم السجلات المصرية الواضحة للكسوفات تعود إلى العصر اليوناني الروماني، وليس إلى عصور مصر القديمة المبكرة.

لكن غياب وصف صريح لا يعني بالضرورة أن المصريين لم يشاهدوا هذه الظاهرة؛ فالكسوفات الشمسية حدثت فوق الأراضي المصرية مرات عديدة عبر آلاف السنين، وكان من الطبيعي أن يلاحظ سكان وادي النيل التغير المفاجئ في ضوء النهار.

وتوجد بالفعل نصوص مصرية قديمة تتحدث عن حدوث ظلام خلال النهار أو تحول النهار إلى ما يشبه الليل، إلا أن الباحثين يختلفون في تفسير هذه العبارات؛ فبعضها قد يكون وصفًا رمزيًا أو دينيًا للظلام، بينما يرى بعض الباحثين أن جزءًا منها ربما يرتبط بظواهر فلكية مثل الكسوف.

«الظلام في النهار».. إشارات غامضة في النصوص

من أبرز ما يلفت الباحثين عبارات وردت في عدد من النصوص والنقوش المصرية القديمة تتحدث عن «الظلام في النهار» أو رؤية النهار وكأنه ليل، ومن الأمثلة التي ارتبطت بهذا النقاش «بردية إيبوير»، وهي نص أدبي مصري قديم يتناول حالة من الاضطراب والفوضى، ويتضمن صورًا عن انقلاب النظام الطبيعي وانتشار الظلام، وقد اقترح بعض الباحثين أن بعض هذه الأوصاف يمكن أن تحمل صدى لظاهرة كسوف الشمس، لكن لا يمكن التعامل معها باعتبارها تسجيلًا فلكيًا مؤكدًا لكسوف بعينه، كما جرى تجميع عدد من النقوش التي تتحدث عن «الظلام في النهار»، وذهب باحثون إلى أن بعضها قد يكون مرتبطًا بكسوف الشمس، بينما يمكن أن يشير بعضها الآخر إلى معانٍ مجازية، مثل العمى الجسدي أو الروحي، وهنا تظهر طبيعة الكتابة المصرية القديمة، التي لم تكن تفصل دائمًا بين وصف العالم الطبيعي والمعنى الديني والرمزي للظاهرة.

عين رع.. رمز الشمس والنور

ترتبط فكرة «عين رع» ارتباطًا وثيقًا بالتصورات المصرية القديمة عن الشمس والقوة الإلهية. وفي الأساطير المصرية ظهرت العين بوصفها قوة إلهية يمكن أن تمثل الحماية والغضب والقدرة على العقاب، كما ارتبطت بالشمس والمعبود رع.

وتوضح نصوص مصرية لاحقة أن مفهوم «العين الشمسية» كان جزءًا مهمًا من الميثولوجيا المصرية، كما ارتبطت العين في بعض التقاليد بالمعبودة تفنوت، التي تظهر في «أسطورة عين الشمس» بوصفها ابنة رع وعينه، وتعود إحدى النسخ المعروفة من هذه القصة إلى العصر الروماني، مع وجود إشارات إلى الأسطورة في نصوص المعابد خلال العصر البطلمي، ومن هنا يمكن فهم سبب قوة صورة «عين رع» في الحديث عن الظواهر التي تمس ضوء الشمس، لكن من المهم عدم القول إن المصريين القدماء تركوا نصًا صريحًا يقول إن «كسوف الشمس هو اختفاء عين رع»، إذ لا يوجد دليل مباشر يثبت هذه الصياغة بهذا المعنى.

عندما يتحول النهار إلى ليل

كان التحول المفاجئ من الضوء إلى الظلام في منتصف النهار حدثًا استثنائيًا لأي مجتمع قديم، خصوصًا في حضارة جعلت للشمس مكانة دينية وكونية بالغة الأهمية، ولهذا، فإن العبارات المصرية التي تتحدث عن «ظلام النهار» تكتسب أهمية خاصة عند دراستها في سياق العقيدة المصرية القديمة، فالظلام لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان يمكن أن يحمل معنى اضطراب النظام الكوني أو حدوث أمر استثنائي يمس العلاقة بين قوى النور والفوضى.

وفي الأساطير المصرية، ارتبطت رحلة رع اليومية بانتقال الشمس عبر السماء ثم رحلتها الليلية في العالم الآخر قبل أن تعود من جديد مع شروق الشمس،وكان استمرار هذه الدورة اليومية رمزًا لاستمرار الحياة والنظام الكوني.

هل كان الكسوف نذيرًا بالخطر؟

من السهل إسقاط تصورات الشعوب القديمة عن الظواهر السماوية على الكسوف، والقول إن المصريين اعتبروه بالضرورة نذيرًا للشؤم أو نهاية العالم، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بهذا التعميم.

الأدق أن نقول إن الظواهر السماوية كانت تحمل أهمية دينية ورمزية كبيرة لدى المصريين القدماء، وإن بعض النصوص تستخدم صور الظلام واضطراب النظام للتعبير عن حالات استثنائية، بينما لا توجد لدينا، بالنسبة إلى مصر القديمة المبكرة، سجلات فلكية واضحة ومستمرة للكسوفات الشمسية على غرار ما نجده في بعض الحضارات القديمة الأخرى، وهذا يجعل العلاقة بين الكسوف والنصوص المصرية القديمة مجالًا مثيرًا للبحث، لكنه يحتاج إلى الحذر في تفسير النصوص وعدم تحويل الإشارات الرمزية إلى حقائق فلكية مؤكدة.

 التفسير العلمي

اليوم، لم يعد اختفاء الشمس لغزًا كما كان يمكن أن يبدو للإنسان القديم؛ فالعلم يفسر الكسوف الكلي بأنه يحدث عندما يحجب القمر قرص الشمس عن مناطق تقع داخل مسار ظل القمر على سطح الأرض.

أما بالنسبة إلى كسوف 12 أغسطس 2026، فيُرى كليًا في أجزاء من روسيا وجرينلاند وأيسلندا وإسبانيا، بينما يظهر جزئيًا في مناطق واسعة من أوروبا وشمال آسيا وشمال غرب إفريقيا وأجزاء من أمريكا الشمالية، وفق البيانات الفلكية الخاصة بالظاهرة، ويبلغ عرض مسار الكسوف الكلي نحو 293.8 كيلومتر، ويمتد لمسافة تقارب 8300 كيلومتر، فيما تصل أطول مدة للكسوف الكلي إلى نحو دقيقتين و18 ثانية قبالة الساحل الغربي لأيسلندا.

ويقدم الكسوف الحالي فرصة لاستعادة الطريقة التي نظر بها المصريون القدماء إلى السماء؛ فبينما نعرف اليوم أن الظاهرة نتيجة لحركة القمر والأرض والشمس وفق قوانين فلكية دقيقة، كان المصري القديم يقرأ السماء باعتبارها جزءًا من عالمه الديني والكوني.

وبين الحساب الفلكي والأسطورة، تظل الشمس واحدة من أكثر الظواهر حضورًا في تاريخ الحضارة المصرية؛ فمن «رع» الذي ارتبط بالنور والحياة، إلى النصوص التي تحدثت عن «الظلام في النهار»، تكشف لنا مصر القديمة عن حضارة لم تكتفِ بالنظر إلى السماء، وإنما حاولت أيضًا أن تمنح ما يحدث فيها معنى ينسجم مع تصورها للكون والحياة والموت.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء