رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عزيزي القارئ وعزيزاتي القارئات... أحدثكم اليوم عن ياسمين، فتاة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، كانت تقف على عتبة الحياة بأحلام فتاة في بداية عمرها، وكان المفترض أن يكون بيتها أمانًا لها، وأن يكون حاميها هو أول من يقف بجانبها ويحميها، لكنه أصبح هو المجرم قاتلها.

لم تكن ياسمين مجرد اسم مرّ في خبر، ولا صورة عابرة على شاشة، كانت روحًا كاملة، إنسانة لها قلب وحلم ومستقبل كان من حقها أن تعيشه. كانت فتاة تريد أن تكمل تعليمها، وأن تختار طريقها، وأن تعيش سنوات عمرها كما يحق لأي إنسان.

لكن حياتها توقفت عند لحظة تحوّل فيها الشك إلى حكم، والغضب إلى جريمة، وتحول فيها من كان يفترض أن يكون سندها إلى الشخص الذي ارتكب الجريمة في حقها.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.

لأن قصة ياسمين ليست فقط قصة فتاة قُتلت، بل قصة فكرة خطيرة إذا استسلمنا لها سنصنع ألف ياسمين أخرى. فكرة أن الشك يمكن أن يصبح حكمًا، وأن الظن يمكن أن يتحول إلى عقوبة، وأن يمنح إنسان نفسه سلطة لا يملكها، سلطة إنهاء حياة إنسان آخر.

فالإنسان لا يُدان بما يدور في عقول الآخرين، والحياة لا تُسلب بالاحتمالات، والشك لا يمكن أن يكون يومًا مبررًا لسلب روح.

ياسمينُ التي قُتِلَتْ ثلاث مرّات.

قُتلت أول مرة وهي ما زالت على قيد الحياة، عندما أصبحت متهمة بسبب مجرد شك، وعندما أصبح الظن أقوى من الحقيقة، دون دليل يثبت ما نُسب إليها. فليس من حق أحد أن يحوّل مخاوفه أو أفكاره إلى حكم بالموت على إنسانة.

وقُتلت للمرة الثانية عندما أصبح حاميها هو قاتلها. عندما تحول الأب الذي كان يجب أن يكون سندها الأول، وأول من يقف بجانبها ويحميها، إلى الشخص الذي ارتكب الجريمة في حقها. وهذه ليست فقط خسارة حياة فتاة، بل سقوط لمعنى الأبوة نفسها، لأن الأب الحقيقي يكون أمانًا لابنته لا مصدر خوف لها.

وقُتلت للمرة الثالثة بعد رحيلها، عندما استمر الحديث عنها، وعندما حاول البعض أن يضع جريمة قتلها تحت مسمى "الشرف"، وكأن الضحية مطالبة بالدفاع عن نفسها حتى بعد أن فقدت القدرة على الكلام.

لكن ياسمين لن ترد، ولن تنفي، ولن تستطيع أن تحكي ما حدث. ولهذا يصبح واجبنا نحن أن نتحدث، وأن نقول كلمة حق لإنسانة لا تملك اليوم سوى أصواتنا.

جرائم الشرف ليست شرفًا.

الشرف لا يكون في دماء الأبرياء، ولا يكون في القتل، ولا يكون في سلب إنسانة حقها في الحياة.

حتى الدين الذي يتخذه البعض ذريعة يرفض الظلم، فقد قال الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم"

وقال سبحانه:"إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا" فالدين يأمر بالتثبت والعدل، لا بالاتهام والانتقام.

وقال تعالى:
"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" فلا يوجد في الإسلام ما يمنح إنسانًا حق أن يكون قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه.

والقانون أيضًا لم يمنح أي شخص حق تنفيذ العقوبة بنفسه، لأن العقاب من اختصاص القضاء وحده. فحين يصبح الشك مبررًا للقتل، فنحن لا نحمي المجتمع، بل نفتح الباب أمام مزيد من الظلم ومزيد من الضحايا.

ولهذا فإن مواجهة جرائم الشرف تحتاج إلى موقف واضح وأحكام رادعة ورسالة لا تقبل التأويل: حياة الإنسان ليست ملكًا لأحد، والشك ليس دليلًا، والغضب ليس مبررًا للقتل.

عزيزي القارئ وعزيزاتي القارئات...

أنا لا أكتب عن ياسمين لأني عرفتها شخصيًا، بل لأن هناك أرواحًا لا نعرفها لكنها تستحق أن نقول من أجلها كلمة حق.

أكتب عن ياسمين لأن الإنسانية لا تحتاج إلى معرفة الشخص حتى ندافع عن حقه، ولأن كل فتاة تُظلم ولا تجد من يدافع عنها تترك خلفها سؤالًا أكبر من قصتها.

ياسمين كانت إنسانة لها قلب وحلم ومستقبل، ولم تكن تهمة، ولم تكن شائعة، ولم تكن مبررًا لأي جريمة.

ورسالة اليوم لكل أب وأم: ابنتك ليست ملكًا لك، بل أمانة. كن لها سندًا وأمانًا، لا خوفًا وقيدًا. اسمعها، احمها، وامنحها حقها في أن تعيش.

لأن المجتمع الذي يصمت أمام ظلم فتاة، يفتح الباب أمام ظلم فتاة أخرى.

ياسمين رحلت، لكن السؤال الذي تركته خلفها ليس فقط: من قتل ياسمين؟

بل: كم ياسمين أخرى يجب أن نفقد حتى نفهم؟ وكيف نمنع أن تكون هناك ضحية جديدة تنتظر من يدافع عنها؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء