رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في وقاءع يوميه قد تبدو صغيره في واقعها كبيره في معناها ،، مرآة كبيرة، تعكس ما أصاب المجتمع من ارتباك في المفاهيم، واختلاط في الأولويات، وتراجع في القدرة على التمييز بين حق الإنسان في ممارسة شعائره، وحق الآخرين في إدارة أماكنهم وفق قواعدها.

ومن هنا تأتي واقعة مطعم «سليرز» التي أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي.

بحسب الرواية المتداولة، طلبت سيدتان الصلاة داخل المطعم، رغم وجود مُصلى في المول الذي يقع فيه المطعم. وعندما حاول مدير المكان تنظيم الأمر وفق طبيعة المكان، تحولت المسألة من خلاف إداري بسيط إلى اتهامات ثقيلة من قبيل كراهية الدين والبغض والاعتراض على أداء الفريضة.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

هل كل من يقول لنا: هذا المكان ليس مخصصًا لهذا الأمر، يكون بالضرورة كارهًا للدين؟
وهل أصبح الاعتراض على تصرف ما اعتراضًا على الإسلام نفسه؟
وهل أصبح من الممكن أن يتحول أي نقاش حول السلوك إلى معركة دينية، ثم يصبح الطرف الذي يرفع صوته باسم الدين هو الطرف الذي يملك القوه والسطوه ؟
الصلاة فريضة عظيمة، ولا خلاف على مكانتها عند المسلم. لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى ترويع ولا إلى اتهام الناس في دينهم وضمائرهم حتى تثبت عظمتها.
فالدين الذي يدخل القلب حقًا لا يحتاج إلى ابتزاز الآخرين باسم الله.
والإيمان لا يُقاس بقدرتنا على إخافة المختلف معنا، وإنما بقدرتنا على أن نختلف معه ونحن محافظون على الأدب والرحمة والعقل.
المشكلة إذن ليست في امرأة أرادت أن تصلي.
ولا في رجل أراد أن يحافظ على نظام مكان يديره.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الحق الشخصي إلى حق في فرض الإرادة على الآخرين، وعندما يتحول الاعتراض الإداري إلى اتهام ديني، وعندما يصبح الخوف من الرأي العام أقوى من احترام قواعد العمل والقانون.
والأكثر إيلامًا في الرواية المتداولة أن مديرًا قضى سنوات طويلة في عمله، يُقال إنها بلغت ستة عشر عامًا، انتهى به الأمر إلى فقدان مصدر رزقه نتيجة تداعيات أزمة كان يمكن أن تُحل في دقائق بالحوار الهادئ.
هنا يصبح السؤال أكبر من خلاف في الاحقيه أوالالتزام 
من يحمي الموظف عندما يصبح الترند أقوى من التحقيق؟
ومن يحمي الإنسان البسيط عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى محكمة، ويصبح المنشور الواحد قادرًا على إشعال غضب الآلاف قبل أن يعرف أحد الحقيقة كاملة؟

ثم تأتي المفارقة الأكثر غرابة: الإعلان عن تخصيص مكان للصلاة داخل المطعم، وكأننا أمام انتصار في معركة، لا أمام محاولة لاحتواء أزمة.
بل إن الرواية المتداولة تقول إن صاحبة الموقف أعلنت التصدق بأجر هذا المكان عن والدها المتوفى.
ولست هنا بصدد الحكم على نيتها؛ فالنيات عند الله وحده.
لكنني أتساءل:
متى أصبح من الطبيعي أن تتحول مساحة تجارية إلى ساحة لإثبات التدين؟

ومتى أصبح الدين يحتاج إلى انتصار اجتماعي حتى يشعر صاحبه أنه انتصر؟

لقد عرفت مصر التدين منذ آلاف السنين، لكنها عرفت معه أيضًا التسامح، والاعتدال، والقدرة على أن يعيش المختلفون جنبًا إلى جنب.

المصري المتدين الحقيقي لم يكن يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يثبت إيمانه.

كان يكفي أن يرى الناس أخلاقه.

وكانت الرحمة جزءًا من تدينه، كما كان العقل جزءًا من شخصيته.
أما أن يتحول الدين إلى مجموعة من الشعارات والمظاهر والمعارك اليومية حول من هو الأكثر تدينًا، فهذه ليست نهضة دينية، وإنما أزمة حقيقيه في وعي المجتمع 
والأخطر أن هذا النوع من التدين الظاهري يفتح الباب أمام أفكار سياسية واجتماعية عرفتها مصر من قبل، حين جرى استخدام الدين باعتباره أداة للهيمنة على المجتمع، وتحويل الخلاف في الرأي إلى اتهام في العقيدة، واستخدام الخوف من الله لترويع البشر من بعضهم البعض.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة.

ليس كل محجبة إخوانية، وليس كل متدين صاحب مشروع سياسي، وليس كل من يطلب الصلاة داخل مكان عام ينتمي إلى تيار أو جماعة.

لكن بعض السلوكيات قد تحمل منطقًا يشبه منطق الجماعات التي أرادت يومًا أن تجعل المجتمع كله يتحرك وفق رؤيتها الخاصة للدين.

وهذا هو الخطر الحقيقي.

أن يصبح الدين وسيلة للضغط بدل أن يكون مصدرًا للطمأنينة.
ان تصبح تعاليم الدين السمح ضغط علي البشر لا دستور حياه،
أن يصبح التدين منافسة في المظهر بدل أن يكون تهذيبًا للجوهر.

أن يتحول الخطأ البشري إلى «ذنب عظيم»، وأن يتحول الاختلاف إلى «عداء للدين»، وأن يصبح الخوف من الاتهام أقوى من صوت العقل.

إن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى محامين من البشر.
ولا تحتاج الصلاة إلى معركة.

الله أرحم بنا من أنفسنا، وأعلم بقلوبنا، وهو وحده الحكم العدل على السرائر والنيات.

ولهذا فإنني أخشى على وطني  من شيء أكبر بكثير من حادثة مطعم.

أخشى من تآكل العقل وعقم التفكير الذي دعانا اليه المولي عز وجل 
اخشي من تراجع التعليم والثقافة والوعي 
اخشي من ضعف القدرة على التفكير بضمير حي ونفس صافيه

اخشي من انتشار التدين الذي يكتفي بالشكل وينسى الجوهر.

ومن الخلط بين الدين والتقاليد، وبين النص والخرافة، وبين العبادة والسلطة الاجتماعية.

وأخشى أكثر من أن نعتاد المشهد.

أن يصبح الطبيعي أن يخسر موظف عمله لأن منشورًا أشعل الغضب ضده.

أن تصبح المؤسسة خائفة من جمهور الإنترنت أكثر من خوفها من الظلم.

أن يصبح صاحب العمل مستعدًا للتنازل عن قواعده لمجرد إخماد عاصفة إلكترونية.

وأن يصبح الإنسان الذي يرفع راية الدين هو، بحسن أو سوء قصد، الأكثر قدرة على إخافة الآخرين باسم الدين.

هذه ليست دعوة إلى منع التدين.

بل هي دعوة إلى إنقاذ التدين من الذين يسيئون إليه.

نحن في حاجة إلى ديننا الحقيقي الذي يجعل الإنسان أرحم، لا اقسي
إلى إيمان يجعله أكثر تواضعًا، لا أكثر استعلاء.

إلى ثقافة تعلمه أن لكل مقام مقالًا، وأن احترام الآخرين ليس تنازلًا عن العقيدة، وأن ممارسة الشعائر لا تمنح صاحبها حق إلغاء حقوق الآخرين.

مصر لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ باسم الدين.
مصر تحتاج إلى إعمال العقل.
إلى العلم.
إلى الثقافة.
إلى الرحمة.
الي الوعي

وإلى ذلك التدين الجميل الذي يجعل صاحبه إنسانًا أفضل، لا خصمًا أشد ضراوة.

فالبلاد لا تسقط في يوم واحد.

تبدأ الحكاية أحيانًا من أشياء تبدو صغيرة جدًا…

من فكرة تقول إن رأيي يجب أن يسود.

ثم من شخص يعتقد أن تدينه يمنحه سلطة على الآخرين.

ثم من مؤسسة تخاف.

ثم من مجتمع يصمت.

حتى نجد أنفسنا ذات يوم أمام وطن عظيم وقد بدأ السوس ينخر جذوره في صمت.
ويظل السؤال مطروحاً ؟

لماذا سمحنا للخوف والجهل ان يسود لماذا لاذ الناس بالصمت امام الخوف والترويع الي ان انهارت مجتمعاتهم ونسينا ان ننتصر للحق والعدل ولكل معاني الحياه النبيله السالمه ،،،

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء