رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فتح بلغراد.. كيف فتح سليمان القانوني بوابة العثمانيين إلى قلب أوروبا؟

صورة  تعبيرية
صورة تعبيرية

تمر علينا في أغسطس ذكرى سيطرة الدولة العثمانية على مدينة بلغراد عام 1521، بقيادة السلطان سليمان القانوني، في واحد من أبرز الانتصارات العسكرية في تاريخ الدولة العثمانية، بعدما مثلت المدينة لسنوات عقبة رئيسية أمام التوسع العثماني في أوروبا، حتى عُرفت بـ«مفتاح أوروبا الوسطى». 

وتستعرض «إيجبتك» في هذه المناسبة أبرز محطات فتح بلغراد، وكيف نجح سليمان القانوني في إسقاط واحدة من أقوى القلاع التي كانت تحمي الحدود الجنوبية للمملكة المجرية، وما ترتب على هذا الفتح من تحولات في مسار التوسع العثماني داخل أوروبا.

بلغراد.. القلعة التي تحرس أوروبا

تقع بلغراد عند ملتقى نهري الدانوب والسافا، وهو موقع منحها أهمية عسكرية وتجارية استثنائية، وجعلها خط الدفاع الأول عن المجر وأوروبا الوسطى في مواجهة الدولة العثمانية، كما منحها دورًا محوريًا في حركة التجارة والتنقل بين مناطق البلقان وأوروبا الوسطى ولهذا السبب ظلت المدينة واحدة من أهم الأهداف العسكرية للعثمانيين، خاصة أن السيطرة عليها كانت تعني تأمين طريق التوسع نحو الأراضي المجرية وفتح المجال أمام حملات عسكرية جديدة في قلب أوروبا.

ولم تكن أهمية بلغراد نابعة من موقعها الجغرافي فقط، وإنما من تحصيناتها القوية أيضًا، إذ كانت المدينة تمثل عقبة عسكرية صعبة أمام الجيوش العثمانية، وهو ما جعل سقوطها تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في المنطقة ومهد فتحها لاحقًا للتوسع العثماني داخل أوروبا الوسطى، وصولًا إلى معركة موهاج عام 1526، التي أنهت قوة المملكة المجرية ووسعت النفوذ العثماني في المنطقة.

محاولات عثمانية فاشلة قبل سليمان القانوني

لم تكن بلغراد هدفًا جديدًا للعثمانيين، فقد حاولت الدولة العثمانية فتح المدينة عدة مرات قبل عهد سليمان القانوني، من بينها محاولات أعوام 1441 و1456 و1492، إلا أن جميعها باءت بالفشل، وظلت القلعة صامدة أمام الهجمات العثمانية بسبب موقعها الاستراتيجي وتحصيناتها القوية ومع كل محاولة فاشلة، ازدادت أهمية المدينة باعتبارها الحاجز الأبرز أمام تقدم العثمانيين نحو أوروبا الوسطى.

ومع تولي سليمان القانوني الحكم، أصبحت بلغراد في مقدمة أهدافه العسكرية، خاصة أن السلطان كان يسعى إلى تثبيت أقدام الدولة العثمانية في أوروبا وتوسيع نفوذها في المنطقة ولذلك بدأ الإعداد لحملة عسكرية كبيرة تستهدف المدينة، مستفيدًا من الظروف السياسية والعسكرية التي كانت تمر بها أوروبا في ذلك الوقت.

الشرارة الأولى للحملة

تذكر المصادر التاريخية أن السلطان سليمان القانوني أرسل سفيرًا إلى لويس الثاني، ملك المجر، يدعوه إلى الدخول في الإسلام أو قبول دفع الجزية وفق الأعراف السياسية السائدة آنذاك، إلا أن السفير قُتل، وهو ما اعتبره السلطان إعلانًا للحرب، لتبدأ بعدها الاستعدادات لحملة عسكرية ضخمة قادها سليمان بنفسه نحو بلغراد.

ولم تكن الحملة مجرد تحرك عسكري مباشر، بل سبقتها ترتيبات سياسية ودبلوماسية هدفت إلى تقليل فرص تدخل القوى الأوروبية لمساندة المجر. فقد حرص السلطان على دراسة موازين القوى المحيطة به، والاستفادة من انشغال عدد من الدول الأوروبية بقضاياها الداخلية والصراعات السياسية والدينية التي كانت تشهدها القارة في ذلك الوقت.

كيف نجح القانوني في فتح بلغراد؟

لم يعتمد سليمان القانوني على التفوق العددي والعسكري وحده، وإنما عمل على تحييد عدد من القوى التي كان يمكن أن تتدخل في الصراع، فكانت البندقية منشغلة بعقد اتفاقيات تجارية مع الدولة العثمانية، بينما لم يجد البابا أو ملك بولندا الظروف المناسبة للتدخل، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تشهد بدايات الانقسام الديني مع ظهور دعوة مارتن لوثر، وهو ما شتت اهتمام القوى الأوروبية وأضعف قدرتها على التحرك في جبهة واحدة.

وفي الوقت نفسه، جمع القانوني قوات النخبة العثمانية، وعزز جيشه بالمدفعية والقوات النظامية، وأصر على أن يشاهد سفراء الدول الأجنبية خروج الجيش من إسطنبول، في رسالة سياسية وعسكرية هدفت إلى إظهار قوة الدولة العثمانية وبث الرهبة في خصومها ومع تحرك الجيش باتجاه بلغراد، بدا أن السلطان يستعد لمعركة حاسمة لإنهاء واحدة من أكثر العقبات صعوبة أمام التوسع العثماني في أوروبا.

حصار انتهى بسقوط المدينة

وصل الجيش العثماني إلى أسوار بلغراد، وفرض حصارًا استمر عدة أسابيع، تخللته معارك عنيفة وقصف مدفعي مكثف استهدف تحصينات القلعة، في الوقت الذي حاولت فيه القوات المدافعة الحفاظ على المدينة ومنع القوات العثمانية من اختراق أسوارها ومع استمرار الحصار وتكثيف الهجمات، بدأت دفاعات المدينة في الضعف أمام الضغط العسكري العثماني.

وتذكر المصادر أن السلطان وعد السكان الصرب بالحفاظ على أرواحهم إذا لم يشاركوا في القتال إلى جانب القوات المجرية، وهو ما ساعد على إضعاف الدفاعات، وفي النهاية سقطت القلعة أولًا، ثم دخلت القوات العثمانية مدينة بلغراد في 26 رمضان سنة 927هـ، الموافق 8 أغسطس 1521، لتنتهي بذلك واحدة من أطول محاولات الفتح العثمانية للمدينة، وتنتقل بلغراد إلى مرحلة جديدة من تاريخها تحت الحكم العثماني.

بلغراد في العهد العثماني

بعد الفتح، تحولت بلغراد إلى واحدة من أهم المدن العثمانية في أوروبا، وازدهرت فيها حركة العمران والتجارة، وشُيدت المساجد والمدارس والأسواق والحمامات، كما أصبحت مركزًا إداريًا وعسكريًا رئيسيًا للدولة العثمانية في منطقة البلقان ولم تقتصر أهمية المدينة على كونها مركزًا للحكم، بل اكتسبت دورًا عسكريًا متزايدًا بسبب موقعها القريب من الأراضي المجرية والنمساوية.

كما اتخذتها الجيوش العثمانية قاعدة لانطلاق حملاتها نحو المجر والنمسا، وظلت تحت الحكم العثماني قرابة قرنين، لتلعب دورًا محوريًا في تاريخ الصراع العثماني الأوروبي وأصبحت المدينة بذلك واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية التي اعتمدت عليها الدولة العثمانية في إدارة نفوذها العسكري والسياسي في منطقة البلقان وأوروبا الوسطى.

فتح غيّر مسار التوسع العثماني

مثّل فتح بلغراد نقطة تحول مهمة في مسيرة الدولة العثمانية، إذ أزال واحدة من أبرز العقبات أمام تقدمها في أوروبا الوسطى، ومهّد لمرحلة جديدة من الحملات العسكرية التي قادها سليمان القانوني في المنطقة.ولم يكن الانتصار مجرد فتح لمدينة محصنة، وإنما كان خطوة استراتيجية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة ووسعت نطاق النفوذ العثماني.

وبذلك ظل فتح بلغراد واحدًا من أبرز الفتوحات المرتبطة باسم السلطان سليمان القانوني، لما حمله من قيمة عسكرية وسياسية، وما تركه من تأثير في خريطة الصراع العثماني الأوروبي خلال القرن السادس عشر، بعدما أصبحت المدينة قاعدة رئيسية للتحركات العثمانية نحو المجر والنمسا، وبوابة مهمة أمام طموحات الدولة العثمانية في قلب أوروبا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء