«الحوالة» بدل نقل الذهب.. كيف يدير النظام العرفي سيولة سوق الذهب المصري؟
كشف تحليل اقتصادي أجراه «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن منظومة «الحوالات» المتعارف عليها داخل سوق الذهب المصري تؤدي عمليًا وظائف شبيهة بأنظمة المقاصة والتسوية في الأسواق المالية، مع اختلاف أساسي يتمثل في أن الأصل محل التسوية هو الذهب وليس النقود.
وأوضح التحليل أن «الحوالات» تطورت بصورة عرفية على مدار عقود، وأصبحت إحدى الآليات الرئيسية التي يعتمد عليها سوق الذهب في تسوية الالتزامات التجارية بين تجار الذهب الخام والمصنعين وتجار التجزئة، بما يسمح بسرعة دوران رأس المال وتقليل تكاليف النقل والتأمين، دون الحاجة إلى انتقال الذهب فعليًا في كل عملية بيع أو شراء.
كيف تعمل منظومة الحوالات؟
تبدأ العملية عادة عندما يبيع تاجر التجزئة كمية من الذهب لأحد العملاء، ثم يحتاج إلى تعويض الكمية المباعة للحفاظ على مخزونه ورأس ماله، خاصة في ظل التغير المستمر في أسعار الذهب.
ويتواصل التاجر مع أحد تجار الذهب الخام لشراء الكمية المطلوبة، ولنفترض أنها 300 جرام، إلا أن الذهب لا ينتقل بالضرورة إلى التاجر، وإنما يظل لدى تاجر الذهب الخام.
بعد ذلك، يخطر التاجر المصنع أو الشركة المنتجة للمشغولات أو السبائك بوجود «حوالة» لدى تاجر الذهب الخام، وبعد التحقق منها، يقوم المصنع بتجهيز الكمية وتسليمها للتاجر.
وبهذه الآلية تتم تسوية الالتزامات ونقل حقوق الملكية بين أطراف المعاملة، بينما يظل الذهب في مكانه إلى أن يصبح نقله الفعلي ضروريًا.
لماذا ظهرت «الحوالات» في سوق الذهب؟
يرى «مرصد الذهب» أن هذه المنظومة لم تنشأ بقرار تنظيمي، وإنما فرضتها طبيعة تجارة الذهب، باعتباره سلعة مرتفعة القيمة وسريعة التأثر بحركة الأسعار العالمية.
ويؤدي النقل المتكرر للذهب بين التجار والمصنعين إلى زيادة تكاليف التشغيل والتأمين، فضلًا عن ارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل، وهو ما دفع السوق إلى تطوير آلية تسمح بتسوية الالتزامات ونقل ملكية الذهب دون تحريك المعدن في كل مرحلة.
وساهمت هذه الآلية في تسريع حركة التداول وخفض التكاليف والمخاطر التشغيلية، بما دعم استمرارية دورة العمل اليومية داخل القطاع.
الحوالات.. مقاصة للذهب بدلًا من الأموال
وبحسب التحليل، يمكن النظر إلى «الحوالات» اقتصاديًا باعتبارها آلية للمقاصة والتسوية داخل سوق الذهب.
ففي الأسواق المالية، لا يشترط انتقال الأموال نقدًا بين أطراف كل معاملة، وإنما تتم تسوية الالتزامات عبر أنظمة المقاصة. وبصورة مشابهة، تسمح الحوالات داخل سوق الذهب بتسوية حقوق الملكية والالتزامات التجارية، مع بقاء المعدن لدى الجهة التي تحتفظ بالمخزون إلى حين التسليم النهائي.
وتتجاوز أهمية الحوالات بذلك مجرد تسهيل عمليات البيع والشراء، لتصبح أداة لإدارة السيولة وتسريع دورة رأس المال داخل السوق.
تاجر الذهب الخام.. مزود السيولة
وأشار «مرصد الذهب» إلى أن تاجر الذهب الخام يؤدي دورًا محوريًا في هذه المنظومة، باعتباره أحد أهم مصادر السيولة الذهبية التي تعتمد عليها حركة التداول.
ويتيح وجود المخزون لدى تاجر الذهب الخام تنفيذ وتسوية عدد كبير من المعاملات دون الحاجة إلى نقل المعدن مع كل عملية، بينما تمثل الحوالة وسيلة لتحويل ملكية كمية محددة من الذهب بين أطراف التعامل.
ويسهم ذلك في تقليل تكاليف النقل والتأمين، وخفض المخاطر التشغيلية، وتسريع دورة رأس المال، ورفع كفاءة حركة التجارة داخل القطاع.
تحديات الحوالات
رغم الدور الذي تؤديه المنظومة منذ عقود، فإنها تواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها اعتمادها بدرجة كبيرة على الثقة المتبادلة بين أطراف السوق، إلى جانب استمرار استخدام وسائل تقليدية في توثيق جزء كبير من المعاملات.
وقد يمثل ذلك تحديًا عند حدوث نزاعات تجارية أو تعثر أحد الأطراف، خاصة مع عدم وجود سجل رقمي موحد يتيح تتبع الحوالة منذ إصدارها وحتى تنفيذها.
ويرى «مرصد الذهب» أن هذه التحديات لا تقلل من أهمية المنظومة، لكنها تفتح المجال أمام تطويرها بما يتناسب مع متطلبات التجارة الحديثة.
هل تتحول الحوالة إلى «حوالة إلكترونية»؟
ويطرح التحليل إمكانية الاستفادة من التطور المتسارع في التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي لتطوير منظومة الحوالات، دون تغيير طبيعة السوق أو استبدال الأدوار الحالية للتجار والمصنعين.
ويقوم التصور على رقمنة الحوالة نفسها، بحيث يتم إصدارها وتوثيقها عبر منصة رقمية متخصصة، مع تسجيل بيانات تشمل وزن الذهب وعياره، والطرف المحيل والمستفيد، وتوقيت إصدار الحوالة، وحالتها حتى إتمام التسوية.
ومن شأن وجود سجل إلكتروني موثق أن يقلل الأخطاء، ويسرع عمليات التسوية، ويساعد على الحد من النزاعات، مع توفير وسيلة أكثر كفاءة لحفظ حقوق أطراف المعاملة.
وأكد «مرصد الذهب» أن رقمنة الحوالات لا تعني إحلال البنوك محل التجار أو تحويل هذه المعاملات إلى عمليات مصرفية، وإنما تستهدف تطوير الآلية القائمة ونقلها إلى بيئة رقمية أكثر كفاءة.
وليد فاروق: رقمنة الحوالات امتداد لتطور السوق
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن منظومة الحوالات تمثل أحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها تجارة الذهب في مصر، بعدما نجحت على مدار سنوات طويلة في تحقيق سرعة وكفاءة في تسوية المعاملات بين تجار الذهب الخام والمصنعين وتجار التجزئة.
وأضاف أن القيمة الأساسية للحوالات لا تتمثل في نقل الذهب، وإنما في قدرتها على إدارة حركة التداول والسيولة داخل السوق، بما يسمح للتجار بالحفاظ على استمرارية أعمالهم في ظل التغير المستمر في أسعار الذهب.
وأوضح أن التطوير المطلوب لا يستهدف استبدال المنظومة أو تغيير طبيعتها، وإنما نقلها إلى بيئة رقمية تتيح توثيق الحوالات وتتبعها إلكترونيًا، مع الحفاظ على الأدوار الحالية لأطراف السوق.
وأشار إلى أن شركات التكنولوجيا المالية يمكن أن تسهم في إنشاء منصات متخصصة لإدارة الحوالات، دون أن تتحول إلى وسيط تجاري أو تحل محل التجار، بما يساعد على رفع كفاءة السوق وتقليل النزاعات وتوفير سجل رقمي للمعاملات.
واختتم فاروق بالتأكيد على أن الحوالات ليست مجرد مصطلح متداول داخل سوق الذهب، وإنما منظومة اقتصادية متكاملة أثبتت كفاءتها على مدار عقود، مشيرًا إلى أن تطويرها ورقمنتها يمثلان امتدادًا طبيعيًا لتطور السوق، ويعززان قدرة قطاع الذهب المصري على مواكبة الاقتصاد الرقمي.


