رصاصة اغتالت ولي عهد النمسا وأشعلت الحرب العالمية الأولى
في مثل هذا اليوم، تستعيد الذاكرة واحدة من المحطات التي اتسعت معها دائرة الحرب العالمية الأولى، عندما أعلنت فرنسا الحرب على الإمبراطورية النمساوية المجرية في أغسطس 1914، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الصراع الذي بدأ بأزمة سياسية بين النمسا والمجر وصربيا، قبل أن تتحول سريعًا إلى مواجهة شاملة بين القوى الأوروبية الكبرى. ولم يكن دخول فرنسا الحرب حدثًا منفصلًا، بل جاء ضمن سلسلة من التحركات العسكرية والتحالفات التي بدأت شرارتها باغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو، لتتحول رصاصة واحدة إلى بداية حرب أعادت رسم خريطة العالم.
رصاصة اغتيال ولي العهد تشعل الأزمة
بدأت القصة في 28 يونيو 1914، عندما وصل الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، إلى سراييفو في زيارة رسمية لتفقد القوات التابعة للإمبراطورية، وسط أجواء متوترة بسبب تصاعد النزعة القومية الصربية ورفض قطاعات من القوميين سيطرة النمسا والمجر على البوسنة والهرسك.
وخلال مرور موكبه في شوارع سراييفو، أطلق الشاب الصربي غافريلو برينسيب النار على فرديناند وزوجته صوفي، ليسقطا قتيلين في حادث هز أوروبا. ورغم أن الاغتيال لم يكن السبب الوحيد للحرب العالمية الأولى، فإنه جاء في لحظة كانت فيها القارة تعيش حالة من التوتر الشديد بسبب سباق التسلح والتحالفات العسكرية والتنافس بين القوى الكبرى، فتحولت الرصاصات التي أطلقت في سراييفو إلى الشرارة التي فجرت هذه التوترات.
النمسا والمجر تعلن الحرب على صربيا
اعتبرت الإمبراطورية النمساوية المجرية أن عملية الاغتيال تمت بدعم من عناصر داخل صربيا، رغم نفي الحكومة الصربية أي مسؤولية مباشرة عنها، ووجهت إلى بلجراد إنذارًا شديد اللهجة تضمن مجموعة من المطالب، قبل أن تعلن الحرب على صربيا في 28 يوليو 1914.
ومن هنا بدأت الأزمة في تجاوز حدود البلدين، بعدما تدخلت روسيا إلى جانب صربيا، بينما وقفت ألمانيا إلى جانب النمسا والمجر، وبدأت عمليات التعبئة العسكرية التي دفعت بقية القوى الأوروبية إلى التحرك.
فرنسا تدخل الحرب
مع اتساع نطاق المواجهة، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في الأول من أغسطس 1914، ثم أعلنت الحرب على فرنسا في الثالث من أغسطس، لتجد باريس نفسها في مواجهة مباشرة مع برلين. وسرعان ما تحولت الحرب إلى صراع أوسع مع دخول بريطانيا إلى جانب فرنسا وحلفائها بعد اجتياح ألمانيا الأراضي البلجيكية.
ومع استمرار المواجهات واتساع دائرة التحالفات، أعلنت فرنسا الحرب على الإمبراطورية النمساوية المجرية في 12 أغسطس 1914، لتصبح الإمبراطورية واحدة من أطراف الحرب في مواجهة دول الحلفاء، بعدما كانت الأزمة قد بدأت قبل أسابيع باغتيال ولي عهدها.
أوروبا تتحول إلى ساحة حرب
لم تكن أوروبا بحاجة إلى أزمة جديدة بقدر ما كانت بحاجة إلى شرارة، فقد كانت القارة في ذلك الوقت تعيش انقسامًا حادًا بين تحالفات عسكرية متنافسة، إلى جانب سباق تسلح وتنافس استعماري وصراعات قومية، خصوصًا داخل الإمبراطوريات متعددة القوميات.
ولهذا انتقلت الأزمة من سراييفو إلى بلجراد، ثم إلى برلين وسان بطرسبرج وباريس ولندن، وتحولت خلال أيام من صراع محدود إلى حرب واسعة شاركت فيها القوى الكبرى، قبل أن تمتد لاحقًا إلى مناطق مختلفة خارج أوروبا.
حرب غيرت خريطة العالم
استمرت الحرب العالمية الأولى من عام 1914 حتى عام 1918، وأسفرت عن سقوط ملايين القتلى والجرحى، وانهيار أربع إمبراطوريات كبرى هي الألمانية والنمساوية المجرية والروسية والعثمانية، كما أعادت تشكيل خريطة أوروبا ومهدت لظهور نظام دولي جديد.
وبعد انتهاء الحرب، جاءت معاهدة فرساي عام 1919 وما صاحبها من ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة، بينما تركت الحرب آثارًا عميقة على المجتمعات والدول التي شاركت فيها، ولم تنته تداعياتها بانتهاء المعارك، بل امتدت لعقود وأسهمت نتائجها في تشكيل الظروف التي قادت لاحقًا إلى الحرب العالمية الثانية.
وبعد أكثر من قرن، يبقى دخول فرنسا الحرب وإعلانها المواجهة مع الإمبراطورية النمساوية المجرية جزءًا من سلسلة الأحداث التي بدأت باغتيال ولي العهد فرانز فرديناند، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود الحادث نفسه.
فلم تكن رصاصة سراييفو وحدها هي التي صنعت الحرب، وإنما جاءت في قارة كانت تعيش فوق صفيح ساخن من التحالفات والتوترات والصراعات. وعندما وقعت الجريمة، تحولت الشرارة إلى سلسلة من إعلانات الحرب والتحركات العسكرية، انتهت بإشعال واحدة من أكبر الحروب في التاريخ الحديث، لتعيد رسم خريطة العالم وتغير موازين القوى لعقود طويلة.





