في ذكرى رحيله.. المأمون بين صراع الخلافة وازدهار العلم وقصة دخوله الهرم الأكبر
يحل في 10 أغسطس ذكرى وفاة الخليفة العباسي السابع أبو العباس عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، الذي توفي سنة 218هـ الموافق 833م بمدينة طرسوس، بعد مسيرة امتدت بين إدارة شؤون الدولة وخوض الحملات العسكرية والاهتمام بالعلوم والمعارف، وتولى المأمون الخلافة عقب مقتل شقيقه محمد الأمين، ليشهد عهده عددًا من التحولات السياسية والعسكرية والفكرية، كما ارتبط اسمه بحركة الترجمة وجمع الكتب، وإنشاء المراصد الفلكية، وتشجيع العلماء على البحث والدراسة.
مولده.. ليلة اجتمعت فيها ثلاثة أحداث
ولد عبد الله المأمون سنة 170هـ الموافق 786م، في الليلة التي توفي فيها عمه موسى الهادي وتولى والده هارون الرشيد الخلافة، ولذلك اجتمعت في الليلة نفسها وفاة خليفة، وتولي خليفة جديد، وميلاد خليفة آخر أصبح بعد سنوات سابع خلفاء بني العباس، ونشأ المأمون في البيئة العباسية التي شهدت نشاطًا علميًا وفكريًا واسعًا، وتلقى علوم عصره، فاهتم بالحديث والفقه واللغة والتاريخ، إلى جانب اهتمامه بالعلوم العقلية والفلك، وعُرف عنه ميله إلى مجالسة العلماء والاستماع إلى المناقشات العلمية والفكرية.
ووصف عدد من المؤرخين المأمون بصفات تتعلق بالعلم والحزم والكرم وحسن التدبير، كما نقلت المصادر عنه وعن والده هارون الرشيد أقوال تشير إلى مكانته بين أبناء الخليفة، وكان المأمون قد نشأ في مرحلة شهدت توسع الدولة العباسية وازدهار الحركة العلمية في بغداد، وهو ما انعكس لاحقًا على سياسته عندما أصبح خليفة.
من ولاية خراسان إلى صراع الأمين والمأمون
بعد وفاة هارون الرشيد، تولى ابنه محمد الأمين الخلافة، بينما أصبح المأمون واليًا على خراسان، وبدأت الخلافات بين الأخوين بسبب الصلاحيات وترتيبات ولاية العهد، قبل أن تتطور المواجهة السياسية إلى حرب مفتوحة بين أنصار الطرفين،وتمكن جيش المأمون من التقدم نحو بغداد، وانتهت الحرب بمقتل الأمين سنة 198هـ/813م، ليتولى المأمون الخلافة ويبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العباسية.
وكان الصراع بين الأخوين من أبرز الأحداث السياسية في العصر العباسي، إذ أدت الحرب إلى اضطرابات واسعة داخل الدولة، قبل أن يستقر الحكم للمأمون، وبعد توليه الخلافة، عمل على تثبيت سلطته وإدارة الدولة في ظل التحديات السياسية والعسكرية التي واجهته، بالتزامن مع اهتمامه بالعلم والثقافة وحركة الترجمة التي شهدت نشاطًا كبيرًا خلال عهده.
حركة الترجمة وبيت الحكمة
اهتم المأمون بجمع تراث الحضارات القديمة، وخاصة التراث اليوناني، وأرسل بعثات إلى عدد من المناطق للبحث عن الكتب والمؤلفات ونقلها إلى بغداد، حيث كانت حركة الترجمة تشهد نشاطًا متزايدًا، وارتبط عهده ببيت الحكمة، الذي ضم مكتبة وعمّال نسخ وترجمة وتجليد، وأصبح من المراكز المهمة لحفظ الكتب ونقلها ودراستها.
ولم يقتصر اهتمام المأمون على جمع الكتب وترجمتها، وإنما شجع العلماء على البحث والمناظرة ودراسة الرياضيات والفلك، كما ارتبط عهده بإجراء عدد من الأبحاث والقياسات العلمية، وكان يتابع أعمال العلماء ويتناقش معهم في نتائج أبحاثهم، وهو ما جعل الحركة العلمية في عصره تمتد من الترجمة والنقل إلى الدراسة والمناقشة وإجراء التجارب والأرصاد.
المراصد الفلكية في بغداد ودمشق
كان علم الفلك من العلوم التي حظيت باهتمام خاص خلال عهد المأمون، إذ أمر بإقامة مراصد فلكية في بغداد ودمشق، من بينها مرصد الشماسية في بغداد ومرصد جبل قاسيون في دمشق، واستهدف العلماء من خلال هذه المراصد إجراء أرصاد فلكية جديدة، خاصة لحركة الشمس والقمر، وإعداد جداول فلكية اعتمادًا على القياسات التي تم التوصل إليها.
وشهد عصر المأمون كذلك اهتمامًا بالرياضيات والحساب والفلك، وشارك عدد من العلماء في مشروعات علمية ارتبطت بالرصد والقياس، إلى جانب دراسة المؤلفات القديمة التي جرى نقلها إلى العربية، وأسهمت هذه الحركة في إتاحة عدد كبير من النصوص العلمية والفلسفية أمام العلماء باللغة العربية، لتصبح جزءًا من النشاط العلمي الذي شهدته بغداد ومراكز أخرى في الدولة العباسية.
حملات المأمون ضد الدولة البيزنطية
على الجانب العسكري، دخل المأمون في مواجهات متكررة مع الدولة البيزنطية، واستغل الاضطرابات الداخلية التي شهدتها الإمبراطورية في بعض الفترات، كما دعم بعض القوى المناوئة لها، وفي سنة 830م تحرك بنفسه إلى الأراضي البيزنطية، وشارك في حملات عسكرية أسفرت عن السيطرة على عدد من الحصون والمواقع.
وتواصلت الحملات في السنوات التالية، وفي سنة 831م تحرك المأمون باتجاه هرقلة، ثم وجّه أخاه المعتصم لفتح عدد من الحصون، قبل أن يعود المأمون إلى دمشق، وكانت المواجهات مع البيزنطيين من الملفات العسكرية الرئيسية في عهده، إلى جانب الحملات التي استهدفت تثبيت نفوذ الدولة العباسية على حدودها.
صقلية.. حملة عسكرية ضد البيزنطيين
ارتبط اسم المأمون كذلك بالحملة الإسلامية التي اتجهت إلى صقلية، التي كانت خاضعة للدولة البيزنطية، وفي سنة 827م بدأت الحملة بقيادة أسد بن الفرات، وتحرك الجيش من شمال إفريقيا باتجاه الجزيرة، ودارت مواجهات مع القوات البيزنطية، وانتهت المرحلة الأولى من الحملة بتحقيق تقدم للقوات الإسلامية.
وشكلت الحملة بداية مرحلة طويلة من الصراع على صقلية، واستمرت المواجهات العسكرية في الجزيرة خلال السنوات التالية، وجاءت هذه التحركات ضمن الصراع الأوسع بين الدولة العباسية والبيزنطيين، الذي شهد خلال عهد المأمون حملات عسكرية متكررة على الحدود والمناطق التابعة للإمبراطورية البيزنطية.
المأمون والهرم الأكبر.. قصة الثلمة الشهيرة
ومن أشهر الوقائع المرتبطة بالمأمون في مصر، قصته مع الهرم الأكبر، إذ تذكر الروايات التاريخية أنه عندما دخل مصر ورأى الأهرامات أراد معرفة ما بداخل الهرم الأكبر، وقيل له إن الوصول إلى داخله أمر شديد الصعوبة، فأمر بمحاولة فتحه، واستخدم العمال النار والخل والحديد وأدوات الحفر والمنجنيقات، حتى تمكنوا من فتح ممر داخل الهرم والوصول إلى أجزاء من بنيته الداخلية.
وتعرف الفتحة الموجودة في الهرم الأكبر باسم «ممر المأمون»، وترتبط بالروايات التي تحدثت عن دخوله إلى الهرم في العصر العباسي، كما وردت روايات تاريخية عن العثور داخل الهرم على غرف وممرات وأجسام وكنوز، إلا أن هذه التفاصيل تندرج ضمن الروايات التي نقلتها المصادر القديمة، ولا تتفق جميعها مع ما أثبتته الدراسات الأثرية الحديثة.
قصة الميراث.. مسألة حسابية أمام الخليفة
ومن الروايات المتداولة عن المأمون قصة امرأة جاءت إليه تشكو من حصولها على دينار واحد فقط من ميراث شقيقها، رغم أن شقيقها ترك ستمائة دينار، وتذكر الرواية أن المأمون بدأ في حساب أنصبة الورثة، فعرف أن للمتوفى أربع بنات، وله أم وزوجة واثنا عشر أخًا، ثم حسب نصيب كل وارث وفق قواعد المواريث.
وتشير القصة إلى معرفة المأمون بمسائل الفقه والحساب، وهي من الروايات التي ارتبطت بالصورة التي نقلتها المصادر عن الخليفة واهتمامه بالعلوم والمعارف، إلى جانب اهتمامه بإدارة الدولة والحملات العسكرية.
قضية خلق القرآن.. واحدة من أكثر أزمات عصره جدلًا
شهد عهد المأمون كذلك قضية «خلق القرآن»، التي بدأت سنة 833م، وأصبحت من أكثر القضايا الفكرية والسياسية إثارة للجدل في التاريخ العباسي، وتبنى المأمون موقف المعتزلة في هذه المسألة، وأصدر أوامر بامتحان عدد من العلماء والقضاة في موقفهم منها، وكان من أبرز من تعرضوا لهذه المحنة الإمام أحمد بن حنبل.
واستمرت القضية بعد وفاة المأمون خلال عهد خلفائه، وأصبحت مرتبطة بما عرف في المصادر باسم «المحنة»، وقد اختلف المؤرخون في تفسير دوافع المأمون وموقفه من القضية، بين من ربطها باختياراته الفكرية والعقدية، ومن رأى أن لها كذلك أبعادًا سياسية تتعلق بعلاقة الخليفة بالعلماء ومكانة السلطة في إدارة الشأن الديني والفكري.
وفاته في طرسوس
في عام 833م خرج المأمون في حملة عسكرية جديدة ضد البيزنطيين، وأثناء وجوده بالقرب من طرسوس أصيب بالحمى واشتد عليه المرض، وتذكر المصادر أنه عندما اشتد به المرض وحضرته الوفاة قال: «يا من لا يموت ارحم من يموت»، ثم توفي في 19 رجب سنة 218هـ الموافق 10 أغسطس 833م، بمدينة طرسوس.
وحمل ابنه العباس وأخوه المعتصم جثمانه إلى طرسوس، وصلى عليه المعتصم، ثم تولى الخلافة بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بالله، ليبدأ عهد جديد في الدولة العباسية.
أولاده
تذكر المصادر أن للمأمون عددًا من الأبناء، منهم محمد الكبير، والعباس، وعلي، ومحمد، وعبيد الله، والحسن، وأحمد، وعيسى، وإسماعيل، والفضل، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب، وحسن، وسليمان، وهارون، وجعفر، وإسحاق، إلى جانب عدد من البنات.





