تخيل أن تتحول لحظة شجار عابرة إلى محكمة شعبية تُقطع فيها أرزاق البشر بـ «لايك وشير».. بينما يقف القانون والمحاضر الرسمية في الانتظار! ما الذي يحدث خلف كواليس تريندات الابتزاز الرقمي؟ ولماذا يهرب البعض من تفريغ كاميرات الحقيقة؟
تعال معي عزيزي القارئ نختبر هذا المشهد لدقيقة واحدة، ونضع أنفسنا في قلب التجربة بمنطق العقل والضمير: لو حدث لا قدر الله وفوجئت بأحدٍ يتعدى على كرامتك، أو يتطاول عليك لفظياً، أو يروع أطفالك داخل مكان عام.. ما هو التصرف الأول والوحيد الذي يصرخ به قلبك وضميرك قبل أي شيء آخر؟
المسار الفطري والحاسم الذي كفله الدستور لكل صاحب حق، هو التوجه الفوري لأقرب قسم شرطة، تحرير محضر رسمي، ووضع الواقعة تحت يد النيابة العامة لتفرغ كاميرات المراقبة بحكم قضائي لا يدع مجالاً للشك. هذا هو الطريق الوحيد الذي يحميك، ويحفظ حقك، ويضمن ألا يفلت الجاني من العقاب.
لكن المثير للدهشة في الدراما الرقمية التي نعيشها مؤخراً، هو أن هذا المسار المؤسسي يتم دهسه واستبعاده تماماً! وبدلاً من الاحتكام لرجال القضاء، تُقام "محكمة افتراضية" على السوشيال ميديا؛ نُجيّش فيها العواطف، ونمارس بها ضغطاً مرعباً على كيان تجاري لقطع عيش موظف لم يفعل شيئاً سوى تطبيق لوائح مكانه! والأكثر غرابة وساسبنس في هذه المعركة، أن القانون الذي أُهمل تماماً لحظة الواقعة، يُستدعى ببالغ السرعة لاحقاً، ولكن ليس لملاحقة من "اعتدى وهدد الأطفال"، بل لمواجهة كل من أعمل عقله وقرأ التناقض المثار!
دعني أسألك هنا بعقل القارئ الواعي: كيف يُستساغ منطقياً أن يتنازل شخص عن حق جنائي يمس سلامة أطفاله لمجرد الحصول على تسوية تنظيمية؟ أم أن مواجهة تفريغ الكاميرات الرسمية أمام النيابة كانت ستضع الجميع أمام مسؤولية "البلاغات المتبادلة" تحت طائلة القانون؟ وهل يستقيم سلوك متضرر يخشى على عياله بأن يظل مرابطاً لأربع ساعات كاملة يفتعل الجلبة بين الترابيزات لاستشهاد الحضور، أم أن الأولوية القصوى هي المغادرة الفورية لحماية أسرته؟
صاحب الحق الحقيقي لا يخشى الكاميرات، ولا يستبدل محضر الشرطة بـ "منشور فيسبوك" ومن يرتضي استخدام المنصات الرقمية لفرض واقع معين، لا يحق له أن يصرخ حين يسترد الشارع وعيه، ويفكك اللعبة، وينتصر للموظف المنضبط.
عزيزي القارئ.. وعزيزتي القارئة:
في ختام هذه السطور -وكما ننهي حواراتنا دائماً أترك هذه الرسالة بين أيديكم إن حماية بيوت العمالة واستقرار المؤسسات ليست معركة خوضها بعيداً عنكم، بل هي دفاع عن أمن مجتمعنا بأكمله. حين تنحاز لمنطق الدولة وتُعمل عقلك قبل أن تمنح "ضغطة زر" لرواية عاطفية، فأنت تختار أن تكون.