إيناس جلال الدين تروي لـ"إيجبتك" سر اختيار كمال الطويل في "عاشق الموسيقى والكبرياء"|حوار
الدكتورة إيناس جلال الدين لـ "إيجبتك":
- كمال الطويل كان كله كبرياء وعظمة وفن وإبداع
- هذا العملاق المصري الأصيل يستحق أكثر من كتاب
- كمال الطويل امتلك رؤية مختلفة عن أبناء جيله
- كمال الطويل «بحر كبير» يستحق أكثر من كتاب وأكثر من بحث
هناك موسيقيون تصنعهم الألحان، وهناك من يصنعون للألحان ذاكرة وهوية لا تشبه سواها.. وبين الاثنين يقف اسم كمال الطويل، ذلك الموسيقار الذي لم تكن موسيقاه مجرد نغمات تعبر إلى الأذن ثم تنتهي، وإنما كانت حالة كاملة من الإحساس والخصوصية المصرية، تركت أثرها في وجدان أجيال كاملة.
كان كمال الطويل يعرف كيف يمنح اللحن ملامحه الخاصة؛ جملة موسيقية ممتدة، تفاصيل تتنفس مع صوت المطرب، ومساحة واسعة تجعل للأغنية روحًا لا تخطئها الأذن، لم يكن مجرد ملحن يكتب لمطرب أو مطربة، بل كان يترك في كل تجربة توقيعه الخاص، حتى أصبح المستمع قادرًا على أن يعرف اللحن قبل أن يعرف صاحبه.. «ده كمال الطويل».
ومن هنا جاءت حكاية كتاب «عاشق الموسيقى والكبرياء»، للناقدة والإذاعية الدكتورة إيناس جلال الدين، التي اختارت أن تقترب من عالم هذا الموسيقار الكبير، لا من زاوية ألحانه وحدها، وإنما من الإنسان الذي وقف خلفها؛ شخصيته، علاقاته، رؤيته للموسيقى، علاقته بالجيل السابق واللاحق، وحبه العميق لمصر.
تقول الدكتورة إيناس جلال الدين إن اختيارها لكمال الطويل لم يكن مصادفة، فهو، في نظرها، «أحد الأعمدة التي وثقت هويتنا المصرية من خلال ألحانه»، مشيرة إلى أن أكثر ما يميزه قدرته على تقديم ألوان متعددة تجمع بين «الفخامة والشياكة» و«البساطة الجميلة».
وفي حوار خاص لـ«إيجبتك»، تفتح الدكتورة إيناس جلال الدين صفحات كتابها، وتستعيد ملامح الموسيقار الذي رأته عن قرب داخل الإذاعة المصرية، وتتحدث عن تلك الهيبة التي كانت تسبقه إلى الاستوديو، وعن «الكبرياء الجميل» الذي لم يكن منفصلًا عن طيبته وخفة ظله ومصريته الشديدة.
وإلى التفاصيل..
ما الذي دفعك لاختيار الموسيقار كمال الطويل موضوعًا لكتابك «عاشق الموسيقى والكبرياء»؟
الكتاب يحمل عنوان «عاشق الموسيقى والكبرياء»، وما دفعني إلى اختيار الأستاذ كمال الطويل موضوعًا للكتاب هو أنني أراه دائمًا أحد الأعمدة التي وثقت هويتنا المصرية من خلال ألحانه، وخطه الإبداعي واللحني المميز، ومن خلال تصوره لشكل ألحانه مع جميع المطربين الذين تعامل معهم.
وكان يمتلك قدرة كبيرة على تقديم ألوان موسيقية متعددة، جميعها تمتاز بالفخامة والأناقة، وفي الوقت نفسه تتميز بالبساطة الجميلة التي تمكننا، كمستمعين ومتذوقين للموسيقى العربية والغناء المصري وألحانه الجميلة، من حفظها بسهولة.
وأجمل ما في كمال الطويل أنه كان متعدد الأنماط والشخصيات فيما يقدمه، فلم يرتبط بمطرب بعينه ويستمر معه في مشواره من بدايته إلى نهايته، وإنما كان يمتلك تنوعًا كبيرًا.
ويمكنني القول إنه لم يكن فقط سببًا في نجاح أو ظهور جميع المطربين والمطربات الذين لحن لهم، وإنما ترك معهم علامة مميزة، علامة تقول: «أنا كمال الطويل».
وكان لدى كمال الطويل أيضًا تصور بديع للآلات الموسيقية، ولأي آلة يمكنها أن تقدم أجمل جملة موسيقية وترسخها في اللحن الذي يقدمه لأي عمل، سواء كان لحنًا سينمائيًا أو مسرحيًا أو أغنية عادية تقدم على المسارح.
وكانت لديه رؤى مختلفة عن أبناء جيله، بحيث إنك بمجرد أن تسمعي هذه الألحان تقولين: «هذا كمال الطويل».
فقد كان هناك الأستاذ كمال الطويل، والأستاذ منير مراد، والأستاذ محمد الموجي، والأستاذ بليغ حمدي، والأستاذ عبد العظيم محمد، ويمكننا القول إن ما ميزهم جميعًا في ذلك الوقت أن لكل واحد منهم بصمة خاصة، أو بصمة لحنية، نستطيع نحن كمتخصصين، وكذلك المتذوقون الجيدون للأغاني والشكل الموسيقي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أن نعرف من خلالها: هذا عمل الأستاذ كمال، وهذا عمل الأستاذ منير، وهكذا، وكان من أسباب اختياري للموسيقار كمال الطويل أيضًا أنني أراه مختلفًا منذ زمن طويل، وكنت دائمًا أشعر بأن كل ما أسمعه منه له جرس مختلف عن جميع الألحان وما كان يقدم في ذلك الوقت.
لماذا جمعتِ في عنوان الكتاب بين الموسيقى والكبرياء.. وما العلاقة التي اكتشفتها بين المجالين في حياة كمال الطويل؟
بداية عملي في الإذاعة المصرية كانت في مكان جميل أعتز بالعمل فيه حتى الآن، وهو إدارة الموسيقى والغناء، أو التخطيط الموسيقي والغنائي بالإذاعة، وهي الإدارة المنوط بها تقديم كل محتوى الأغاني والحفلات في الإذاعة المصرية.
ومنذ أن وطئت قدماي الإذاعة، كان لي شرف العمل في تلك الإدارة، ومن خلالها عرفت والتقيت جميع العظماء من الملحنين والمطربين والمطربات والموزعين وعازفي الآلات المختلفة، وربما كان الشخصان الوحيدان اللذان لم يحالفني الحظ في رؤيتهما هما الكبيران محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، مع حفظ الألقاب.
أما كمال الطويل، فقد رأيت عن قرب مدى الحضور والهيبة والطلة التي كان يتمتع بها بمجرد دخوله الاستوديو.. وكان هذا الكبرياء الجميل وهذه الهيبة العظيمة توازيها وتظهر في الوقت ذاته طيبة وخفة ظل ومصرية شديدة.
وكنت دائمًا أرى أن الشخصية التي تجمع كل هذه الصفات لا بد أن تكون شخصية جديرة بأن نتحدث عنها دائمًا، أما العلاقة بين الموسيقى والكبرياء في حياة كمال الطويل، وكما قلت في بداية الإجابة عن السؤال الأول، فإن المستمع يستطيع أن يستشعر أن ألحان كمال الطويل نفسها تمتاز بالكبرياء، وباحترام الذات واحترام الآخر.. وأرى أن هذه كانت من السمات التي اجتمعت في شخصية الأستاذ كمال الطويل الجميلة.
ما أبرز الجوانب أو المعلومات الجديدة التي يكشفها الكتاب عن شخصية كمال الطويل ومسيرته الفنية؟
من أبرز الجوانب التي تناولتها في الكتاب مدى أهمية مسيرته الفنية، وهي من الأمور المهمة جدًا.. مدى عظمته في آرائه تجاه الجيل السابق وجيل العمالقة، بدءًا من سيد درويش ومن سبقه، مثل كامل الخلعي وسلامة حجازي، فقد درس هؤلاء دراسة كافية ووفية، وكان إبداعهم متشبعًا بداخله، لكنه في الوقت نفسه قدم إبداعه الخاص ومنظوره الخاص للألحان، وكان إحساسه مختلفًا.
فهو كان يحمل الماضي بكل إبداعاته وتفاصيله، لكنه كان يقدم موسيقى تناسب رؤيته الخاصة، وتناسب الموضوعات التي كانت تكتب له حتى يلحنها.
وكان لديه فكر واسع جدًا في المقامات الموسيقية العربية، وخاصة المرتبطة بالألحان والموسيقى العربية. ولدينا عشرات المقامات الموسيقية المختلفة، وكان الأستاذ كمال الطويل دائمًا يمتلك شرحًا وافيًا لكل المقامات والإيقاعات والضروب الموسيقية الشرقية.
وفي الوقت نفسه، عاش الأستاذ كمال الطويل معنا خلال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته أيضًا، وكان متحمسًا لكل موهبة شابة تظهر في ذلك الوقت.
وكان يتحدث عن هذه المواهب بشكل جميل، ودائمًا ما كان يقول إن هؤلاء هم المستقبل، وإنهم من سيحققون النقلة، سواء كانوا ملحنين أو موزعين أو مطربين ومطربات، وبالطبع تعامل مع عدد منهم، وكان يتحدث عنهم أيضًا بكل محبة وفخر واعتزاز.
ومن يقرأ الكتاب سيجد أنني شرحت كل ذلك وضربت أمثلة على ما قاله عن المطرب الفلاني والمطربة الفلانية، حتى لا أذكر بعض المطربين والمطربات والملحنين والموزعين وأنسى الآخرين.
وهذا من أبرز الجوانب التي ستظهر في الكتاب، وكذلك من الجوانب الجديدة التي سنراها، كما سنرى مدى تعدد علاقات كمال الطويل وجمالها، فقد كان دائمًا يصاحب الكبار، ويجلس في مجالس وصالونات الكبار، وكانت علاقاته الاجتماعية ممتازة، والسياسية عظيمة، أما علاقاته الموسيقية فكانت بالطبع الأعلى والأعظم على الإطلاق.. وكان الأستاذ كمال الطويل يمتاز أيضًا بمعرفة كبيرة بشخصيات مهمة، ليس فقط في مصر، وإنما في الوطن العربي. وفي كل بلد كان يذهب إليها كمال الطويل كان يحظى باحترام وإعجاب ومحبة الجميع في البلدان العربية، وربما أسهم كل ذلك في مسيرته الفنية.
كما يتناول الكتاب تعدد المناصب التي شغلها الأستاذ كمال الطويل، والأماكن العديدة التي انتقل إليها خلال حياته، وكان إنسانًا بسيطًا للغاية. ومن الأمثلة على ذلك أنه عمل في إحدى المراحل مفتشًا للموسيقى أو للتربية الموسيقية في المدارس، ثم لم يعد يرغب في الاستمرار في هذا العمل، لأنه رأى أنه لا يصح أن يقوم بتقييم أساتذة كبار يقومون بتعليم الموسيقى في المدارس.. وهذا يبين مدى حبه للآخر، ومدى بساطته رغم عظمته وتاريخه.
وهو هذا الإنسان الجميل والبديع الذي جاء من بيئات مختلفة وتلقى تعليمًا مختلفًا، ومع ذلك كان شديد الحساسية، كما كان الأستاذ كمال الطويل يمتاز برومانسية شديدة، وربما أوضح الكتاب هذه الصفة لديه بصورة أكثر تفصيلًا.
من خلال بحثك كيف تقيمين إسهام كمال الطويل في تطور الأغنية المصرية وما الذي ميز أسلوبه عن أبناء جيله؟
كما قلت، البحث ليس قائمًا على أنني وحدي من سيقيم إسهام كمال الطويل في تطوير الأغنية المصرية، لكنني دائمًا أرى أنه حمل على عاتقه، هو والأستاذ محمد الموجي، ثم تبعهما الأستاذ بليغ حمدي، مسؤولية كبيرة في هذا التطوير.
فهو والموجي ومنير مراد، مع حفظ الألقاب، ثم بليغ حمدي، نقلوا الأغنية إلى شكل جديد، وقدموا الأغنية الوصفية بشكل جديد، وكذلك الأغنية الرومانسية بشكل جديد.
وكان الأستاذ كمال الطويل يمتلك حبًا للوطن شديدًا جدًا، ظاهرًا وعميقًا. وكان يحب مصر بصورة لم أرَ مثلها، وبالطبع يظهر ذلك كله في إبداعاته الكبيرة في الأغنيات الوطنية، التي قدمها لمبدعي ومطربي ومطربات ذلك الجيل، ومنهم السيدة عفاف راضي والسيدة فايزة أحمد.
وفي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، قدم لنا صورة مختلفة، وكان كمال الطويل صاحب الجملة الموسيقية الممتدة والطويلة، التي تحمل الكثير من التفاصيل، والتي يبدع فيها ويسبح مع صوت المطرب والمطربة، أو يجعل إمكانيات المطرب والمطربة تظهر بصورة مختلفة عن أسلوب الأداء في بقية الأعمال الأخرى.
ما المعلومة أو الموقف الذي اكتشفتِه أثناء إعداد الكتاب وكان الأكثر تأثيرًا فيكِ، وتتمنين أن يعرفه الجمهور عن كمال الطويل؟
كما قلت، من أهم الصفات التي استطعت اكتشافها مع الأستاذ كمال الطويل خلال رحلتي معه، أنني كنت منذ سنوات طويلة جدًا أحلم باليوم الذي أكتب فيه كتابًا عن كمال الطويل.
وطبعًا يجب أن أذكر في البداية والنهاية مساعدة الملحن الكبير والابن البار، الأستاذ زياد الطويل، على كل الدعم الذي قدمه لي، ولولا الوثائق والأحاديث التي أمدني بها الأستاذ زياد، ومراجعته الدقيقة لكل خطوة كنت أقوم بها، وكذلك دعمه بالصور، لما خرج الكتاب بهذا الشكل اللائق.. وأعتقد أن كمال الطويل يستحق أكثر من ذلك بكثير، ويستحق أن يُتناول مشواره الإبداعي في أكثر من كتاب وأكثر من بحث.
الأستاذ كمال الطويل بحر كبير يمكن أن نستفيد منه في الدراسات الأكاديمية والأبحاث الخاصة برسائل الماجستير والدكتوراه، وكذلك أبحاث التراث؛ والمحافل كلها تتشرف عندما نتحدث عن الأستاذ كمال الطويل.
وأنا سعيدة لأنني استطعت، وسط هذا العالم، أن ألقي إضاءة بسيطة جدًا على هذا العملاق المصري الأصيل، الذي كله كبرياء، وكله عظمة، وكله فن، وكله إبداع، وأن أكون قد شاركت بشيء ولو كان صغيرًا من خلال كتابي.





