«طب بـ70% وهندسة بـ50%».. الجامعات الوهمية تصطاد أولياء الأمور|خاص
مع انطلاق أعمال تنسيق القبول بالجامعات، تبدأ رحلة جديدة لطلاب الثانوية العامة وأسرهم بحثًا عن مكان مناسب داخل مؤسسة تعليمية تضمن لهم الحصول على شهادة معترف بها ومستقبلًا مهنيًا مستقرًا. وبينما ينشغل الطلاب بترتيب الرغبات ومقارنة الكليات والمصروفات، تظهر على الجانب الآخر سوق موازية تستغل أحلامهم وقلق أسرهم، عبر إعلانات مضللة لكيانات تعليمية تزعم امتلاكها تراخيص واعتمادات رسمية.
وعلى مدار أيام، تحولت منصات فيسبوك وتيك توك وواتساب إلى وسيلة رئيسية للترويج لما يسمى بـ«الجامعات الوهمية»، من خلال إعلانات ممولة وصفحات تحمل أسماء قريبة من جامعات ومؤسسات تعليمية حقيقية، وتستخدم صورًا لقاعات دراسية ومعامل ومدرجات حديثة لإضفاء مظهر رسمي على نشاطها.
وتتكرر في هذه الإعلانات عبارات من نوع: «قبول فوري» و«بدون تنسيق» و«شهادة معتمدة» و«احجز مقعدك الآن»، فيما تصل الجرأة ببعضها إلى الإعلان عن قبول طلاب بكليات الطب والهندسة ومجالات أخرى بمجاميع تقل بصورة كبيرة عن الحدود المعلنة رسميًا.
«طب بـ70%.. وهندسة بـ50%»
من بين أكثر العروض التي تلفت انتباه الطلاب وأولياء الأمور إعلانات تزعم إمكانية الالتحاق بكليات الطب البشري وطب الأسنان والهندسة والعلاج الطبيعي بمجاميع منخفضة، مع وعود بالحصول على شهادة «معتمدة» تمكن الطالب من العمل داخل مصر وخارجها.
وتستخدم بعض الصفحات عبارات تسويقية مصممة لاستغلال خوف الأسرة من ضياع مستقبل الطالب، مثل: «آخر 20 مقعدًا» و«التقديم ينتهي اليوم» و«الحجز يضمن لك القبول».
وفي إحدى الحالات، جرى طلب 10 آلاف جنيه لحجز المقعد، مع وعد برد المبلغ حال عدم قبول الطالب، بينما طلب إعلان آخر 5 آلاف جنيه لفتح الملف، على أن يتم استكمال الإجراءات عبر تطبيق واتساب مع شخص يقدم نفسه باعتباره «مستشار قبول».
ولا تكتفي هذه الصفحات بطلب الأموال، وإنما تجمع بيانات شخصية من الطلاب، بينها صور بطاقات الرقم القومي وشهادات الثانوية العامة وأرقام الهواتف، بما يفتح الباب أمام مخاطر أخرى تتعلق بإساءة استخدام
البيانات.
«جامعة» على السوشيال ميديا.. ومقرها غير موجود
أحد أبرز الأساليب التي يعتمد عليها مروجو هذه الكيانات هو صناعة حضور رقمي يوحي بوجود مؤسسة تعليمية متكاملة.
صفحات تحمل شعارات احترافية، وتصميمات تشبه المواقع الرسمية للجامعات، وفيديوهات تظهر قاعات ومعامل ومبانٍ تعليمية، إلى جانب بث مباشر يتحدث خلاله أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم مسؤولين عن القبول والتسجيل.
لكن التدقيق في بعض الحالات يكشف غياب عنوان واضح للمؤسسة أو عدم وجود مقر جامعي بالمعنى المعروف، بينما تقتصر وسائل التواصل على أرقام هواتف شخصية وحسابات واتساب.
وفي حالات أخرى، يتم استخدام صور لمبانٍ تعليمية حقيقية أو صور منشورة على الإنترنت وإعادة تقديمها باعتبارها منشآت تابعة للكيان المعلن عنه.
«جالنا رسائل وصدقنا»
وتكشف شهادات أولياء الأمور حجم الضغط النفسي الذي تتعرض له الأسر بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، خاصة الطلاب الذين لم تحقق مجاميعهم الحد الذي كانوا يتمنونه.
تقول إحدى أولياء الأمور من الجيزة، إن نجلها حصل على 67% في شعبة علمي علوم وكان يحلم بدراسة الطب، قبل أن تتلقى رسالة عبر الهاتف من شخص ادعى أنه يمثل جامعة خاصة معتمدة.
وتضيف أن الرسالة تضمنت صورًا لشهادات واعتمادات، مع تأكيد أن «الأماكن محدودة»، وطُلب منها دفع آلاف الجنيهات لفتح الملف والحجز، قبل أن تتوجه للاستفسار من الجهات المختصة وتكتشف عدم وجود اسم الجامعة ضمن القوائم الرسمية.
وفي القليوبية، يروي أحد أولياء الأمور أنه شاهد بثًا مباشرًا لصفحة تحمل اسم جامعة، ظهر خلاله أشخاص داخل قاعات ومعامل، وجرى التأكيد على أن دفع مبلغ مالي كـ«جدية حجز» سيضمن الحصول على خطاب قبول.
وبعد تحويل الأموال، انقطع التواصل تمامًا، واكتشف ولي الأمر لاحقًا أن المكان الذي ظهر في الفيديو لا يمثل جامعة بالمعنى الذي تم الترويج له.
أما إحدى الأمهات، فتقول إن الإعلان كان «مقنعًا للغاية»، خاصة مع استخدام مصطلحات مثل «المعادلة» و«الاعتماد الدولي»، مشيرة إلى أنها كانت على وشك إرسال مستندات ابنتها ودفع المبلغ المطلوب قبل أن تصر ابنتها على التأكد من حقيقة الجامعة أولًا.
لا تعتمد عمليات الاحتيال على إعلان واحد فقط، وإنما تستخدم في بعض الحالات منظومة متكاملة تبدأ بإعلان ممول، ثم تنتقل إلى محادثة خاصة عبر واتساب.
ويبدأ المسؤول عن الصفحة بطرح أسئلة عن مجموع الطالب والشعبة التي درس بها، ثم يقدم له «عرضًا» يتناسب مع مجموعه، ويؤكد أن هناك استثناءات أو برامج خاصة تسمح له بالالتحاق بتخصص لا يسمح مجموعه الرسمي به.
بعد ذلك يبدأ عنصر الاستعجال: «المقاعد تقترب من النفاد» أو «آخر يوم للتقديم»، ثم يُطلب تحويل مبلغ مالي إلى حساب شخصي أو محفظة إلكترونية.
وبمجرد إتمام التحويل، قد يحصل الطالب على إيصال إلكتروني أو خطاب قبول يحمل شعارًا رسميًا مزيفًا، قبل أن يكتشف أن المستند لا قيمة له.
يرى متخصصون في علم النفس التربوي أن موسم التنسيق يمثل بيئة مثالية لاستغلال القلق والخوف لدى الأسر.
فالأسرة التي ترى أن مجموع ابنها لا يسمح له بالالتحاق بالكلية التي يحلم بها، تصبح أكثر قابلية لتصديق أي عرض يقدم «حلًا سريعًا»، خاصة عندما يأتي في صورة مؤسسة تعليمية تحمل اسمًا يبدو رسميًا.
كما يستغل المحتالون المقارنات الاجتماعية وضغط الأسرة، ويقدمون للطالب وعدًا بالحصول على شهادة من تخصص مرموق دون الالتزام بقواعد القبول الرسمية.
خبراء: «المجموع الخيالي» أول جرس إنذار
ويؤكد خبراء في التعليم العالي أن الطالب وولي الأمر يجب ألا يتعاملا مع أي إعلان عن قبول جامعي باعتباره حقيقة لمجرد ظهوره في إعلان ممول أو صفحة تحمل آلاف المتابعين.
فالاعتماد لا يثبت من خلال شعار يوضع على موقع إلكتروني أو صورة لشهادة، وإنما من خلال وجود المؤسسة والتخصص ضمن القوائم الرسمية للجهات المختصة.
كما أن عبارة «بدون تنسيق» أو تقديم كلية من الكليات ذات الحدود المرتفعة بمجموع منخفض للغاية يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار فوري يدفع الأسرة إلى التحقق قبل دفع أي مبالغ أو إرسال مستندات شخصية.
«الاعتماد».. الكلمة السحرية في الإعلانات الوهمية من أكثر الكلمات استخدامًا في الإعلانات المشبوهة كلمة «معتمدة».
ويتم أحيانًا وضع شعارات جهات رسمية أو دولية على صفحات التواصل الاجتماعي لإقناع الأسرة بأن المؤسسة حاصلة على اعتراف رسمي.
لكن وجود شعار جهة رسمية على موقع أو إعلان لا يعني بالضرورة أن هذه الجهة اعتمدت المؤسسة بالفعل.
ولهذا يجب الرجوع إلى المواقع الرسمية للجهات المختصة والتحقق من الاسم القانوني للمؤسسة والبرامج والتخصصات التي يسمح لها بتدريسها، وليس الاكتفاء بما يرد في الإعلان.
الدفع.. الحلقة الأخطر وتعد طريقة الدفع واحدة من أهم العلامات التي يمكن أن تكشف عملية الاحتيال.
فالطلب من ولي الأمر تحويل آلاف الجنيهات إلى محفظة إلكترونية أو حساب بنكي باسم شخص طبيعي، دون عقد واضح وإيصال رسمي صادر عن مؤسسة تعليمية معروفة، يمثل علامة خطر تستوجب التوقف والتحقق.
كما يجب عدم دفع أي مبلغ تحت مسميات مثل «حجز مقعد» أو «تأمين قبول» قبل التأكد من الوضع القانوني للجامعة والبرنامج الدراسي.
5 علامات تكشف الجامعة الوهمية
يمكن لولي الأمر اكتشاف العديد من المؤشرات التي تستدعي الحذر، أبرزها:
- مجموع غير منطقي: الإعلان عن قبول الطب أو الهندسة بمجاميع شديدة الانخفاض مقارنة بالقواعد الرسمية.
- دفع الأموال لأفراد: طلب تحويل المصروفات أو رسوم التقديم إلى حساب شخصي أو محفظة إلكترونية دون إيصال مؤسسي رسمي.
- غياب المقر الواضح: عدم وجود عنوان جامعي معروف أو رفض استقبال أولياء الأمور والطلاب.
- الضغط والاستعجال: استخدام عبارات مثل «آخر فرصة» و«آخر مقعد» لإجبار الأسرة على الدفع سريعًا.
- تشابه الاسم: استخدام اسم قريب جدًا من جامعة حقيقية لإحداث ارتباك لدى الطالب وولي الأمر.
كيف تحمي ابنك قبل دفع جنيه واحد؟
القاعدة الأهم التي يجب أن تضعها الأسرة أمامها هي: لا تدفع قبل أن تتحقق.
ويجب البحث عن اسم الجامعة أو المؤسسة في القوائم الرسمية للجامعات المعترف بها، والتأكد من أن التخصص الذي يرغب الطالب في دراسته موجود بالفعل ضمن البرامج المرخصة للمؤسسة.
كما يجب عدم الاعتماد على صفحات التواصل الاجتماعي كمصدر وحيد للمعلومات، وعدم إرسال صور المستندات الشخصية إلى أرقام مجهولة قبل التأكد من الجهة التي تطلبها.
وفي حالة وجود شكوك حول إعلان معين، فإن أفضل إجراء هو وقف التواصل وعدم تحويل أي أموال، ثم الاستفسار من الجهة التعليمية الرسمية المختصة.
وزارة التعليم العالي: القوائم الرسمية هي المرجع
وتؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بصورة مستمرة أن الطلاب وأولياء الأمور عليهم الاعتماد على القنوات الرسمية عند اختيار مؤسسات التعليم العالي، وعدم الانسياق وراء الإعلانات التي تروج لكيانات غير معترف بها.
كما تمثل مواجهة الكيانات الوهمية أحد الملفات المهمة لحماية الطلاب من الالتحاق بمؤسسات لا تملك التراخيص اللازمة، خاصة أن الضرر لا يتوقف عند خسارة الأموال، وإنما قد يمتد إلى ضياع سنوات الدراسة والحصول على مؤهل غير معترف به.
الخسارة ليست 10 آلاف جنيه فقط
المشكلة الحقيقية في الجامعات الوهمية لا تتمثل فقط في المبلغ الذي قد يدفعه الطالب، وإنما في إمكانية خسارة عام دراسي كامل أو أكثر، فضلًا عن ضياع فرص الالتحاق بمؤسسة تعليمية معترف بها.
فالطالب الذي يلتحق بكيان غير مرخص بناءً على إعلان مضلل قد يكتشف بعد سنوات أن الشهادة التي حصل عليها لا تمنحه الحقوق التي وعد بها في الإعلان.
وهنا تتحول عبارة «طب بـ70% وهندسة بـ50%» من فرصة تبدو مغرية إلى فخ قد يكلف الأسرة أموالًا ووقتًا ومستقبلًا دراسيًا كاملًا.
رسالة إلى أولياء الأمور
في موسم التنسيق، لا تجعلوا الخوف من ضياع حلم الأبناء يدفعكم إلى اتخاذ قرار سريع، الإعلان الممول ليس اعتمادًا، والشعار ليس ترخيصًا، وصورة الجامعة ليست دليلًا على وجودها.
قبل تحويل 5 أو 10 آلاف جنيه، خذوا دقائق قليلة للتحقق من الاسم والاعتماد والتخصص والمقر وطريقة الدفع عبر المصادر الرسمية.
فمستقبل الطالب لا يُحجز برسالة على واتساب، ولا يُشترى بإيصال مجهول، وإنما يبدأ من مؤسسة تعليمية قانونية معترف بها وشهادة لها قيمة حقيقية.





