رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«فتاة الأوبر»تفتح ملف المنتحلين..أين تقف نقابة الصحفيين من غير النقابيين؟

واقعة شيماء فتاة
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي

لم تكن واقعة «فتاة الأوبر» مجرد مشادة بين فتاة وسائق تابع لإحدى شركات النقل الذكي، وإنما تحولت خلال الساعات الماضية إلى قضية أوسع تتعلق باستخدام اسم الصحافة وانتحال صفة الصحفي، بعدما ظهرت الفتاة في مقاطع فيديو وقدمت نفسها باعتبارها صحفية، قبل أن تكشف التحريات عدم صحة ادعاءاتها بشأن تعرضها للتحرش والاعتداء.

الواقعة أثارت غضبا واسعا داخل الجماعة الصحفية، ليس فقط بسبب تفاصيلها، وإنما بسبب ما اعتبره صحفيون إساءة إلى المهنة واستغلالا لاسمها في الضغط على الآخرين، وهو ما أعاد إلى الواجهة ملفا قديما ومتجددًا: من يحق له أن يحمل صفة الصحفي؟ ومن يحمي الممارسين الحقيقيين للمهنة من جهة، ومن ينتحل صفتها من جهة أخرى؟

وفي الوقت نفسه، أثار الغضب الذي ظهر على صفحات عدد من الصحفيين مخاوف لدى البعض من أن يمتد موقف الجماعة الصحفية إلى المتدربين والشباب غير النقابيين الذين بدأوا خطواتهم الأولى في طريق المهنة، وهو ما دفع نقيب الصحفيين خالد البلشي إلى التأكيد على ضرورة الفصل بين الأمرين.

خالد البلشي: الغضب ليس ضد المتدربين.. والنقابة تدافع عن كل ممارس حقيقي للمهنة وتتصدى لمنتحلي الصفة

أوضح خالد البلشي نقيب الصحفيين، أن موقف الجماعة الصحفية من واقعة «فتاة الأوبر» لا يستهدف المتدربين الحقيقيين أو الباحثين عن حلم الانضمام إلى الصحافة والنقابة.

وبحسب موقف نقيب الصحفيين، فإن جوهر القضية يتعلق برفض استخدام اسم المهنة كأداة للضغط على الآخرين أو للنيل من البسطاء والضعفاء أو لتحقيق مكاسب شخصية.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

فالصحافة، وفق هذا الطرح، ليست مجرد كارنيه أو مسمى وظيفي، وإنما ممارسة مهنية لها قواعد وأصول ومسؤوليات، ومن ثم فإن استخدام اسمها في واقعة لا علاقة لها بالممارسة الصحفية يسيء في النهاية إلى جميع العاملين بالمهنة.

ويؤكد البلشي أن الرسالة التي خرجت من الجماعة الصحفية خلال الواقعة هي أن الصحفيين يرفضون أي تجاوزات ترتكب باسم مهنتهم، خاصة عندما يكون الطرف المتضرر شخصا بسيطا أو ضعيفا.

لكن ماذا عن غير النقابيين؟

السؤال الأهم الذي تطرحه الأزمة: هل كل من لا يحمل عضوية نقابة الصحفيين خارج مظلة الحماية المهنية؟

الإجابة التي يطرحها نقيب الصحفيين مختلفة؛ إذ يؤكد أن النقابة لا تنظر إلى المهنة باعتبارها حكرًا على أعضاء الجمعية العمومية فقط عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الممارسة الصحفية الحقيقية.

فالجماعة الصحفية، بحسب البلشي، تنتفض أيضا عندما يتعرض صحفي غير نقابي للتنكيل أو يتم تقديم بلاغ ضده بسبب عمله الصحفي، طالما أنه يمارس عمله بمهنية واحترافية ويسعى إلى كشف الحقيقة.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

وهنا تظهر معادلة دقيقة: النقابة تدافع عن الممارسة الصحفية الحقيقية، لكنها لا تدافع عن التجاوز لمجرد أن صاحبه يحمل صفة صحفي.

فعضوية النقابة ليست، في هذا التصور، حصانة من المساءلة، كما أن عدم العضوية لا يعني تلقائيًا أن الشخص لا يستحق الحماية إذا كان يمارس العمل الصحفي بصورة حقيقية ومهنية.

«الصفة» بين الحماية والمساءلة

واقعة «فتاة الأوبر» أعادت كذلك طرح قضية انتحال صفة الصحفي، وهي مشكلة لا تتوقف آثارها عند الإساءة إلى اسم المهنة، وإنما قد تمتد إلى استغلال المواطنين والجهات والمؤسسات من خلال الادعاء بالانتماء إلى مؤسسة صحفية أو نقابية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن التفرقة بين الصحفي الحقيقي، والمتدرب الذي بدأ طريقه في المهنة، وبين من يستخدم اسم الصحافة لتحقيق منفعة شخصية؟

البلشي يرى أن الحل لا يكون باستهداف المتدربين أو إغلاق الباب أمام الشباب، وإنما بمد مظلة الحماية النقابية لممارسي المهنة الحقيقيين، بالتوازي مع مواجهة منتحلي الصفة.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

فالمعادلة، كما يطرحها، تقوم على مسارين متوازيين: الحماية لمن يمارس المهنة بالفعل، والمحاسبة لمن يستغل اسمها أو ينتحل صفتها.

المتدربون.. ضحايا محتملون أيضًا

القضية لا تتعلق فقط بمنتحلي الصفة، وإنما تمتد إلى الشباب الذين يحلمون بدخول عالم الصحافة، ويصبحون في أحيان كثيرة فريسة لوعود غير حقيقية بالعمل أو التدريب أو القيد بالنقابة.

ويحذر نقيب الصحفيين من الكيانات الوهمية التي تستغل أحلام الشباب، وتقدم لهم وعودًا بالانضمام إلى المهنة أو الحصول على صفة صحفية، مقابل أموال أو اشتراكات أو كارنيهات لا تمنح صاحبها أي صفة قانونية حقيقية.

وهؤلاء الشباب، في كثير من الحالات، لا يكونون جزءًا من المشكلة، وإنما قد يصبحون ضحايا لها؛ إذ يبحثون عن فرصة حقيقية للعمل، فيجدون أنفسهم أمام كيانات تستغل طموحهم وحاجتهم إلى إثبات انتمائهم للمجال.

ومن هنا، فإن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تكون عبر مهاجمة كل من يحمل صفة «متدرب» أو «غير نقابي»، وإنما عبر ملاحقة الجهات التي تتاجر بأحلام الشباب وتمنحهم أوهامًا عن الانضمام إلى مهنة الصحافة.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

هل الحل في توسيع مظلة النقابة؟

طرح خالد البلشي جانبا آخر مهما من الأزمة، يتمثل في ضرورة فتح نقاش حول توسيع مظلة الحماية النقابية لتشمل الممارسين الحقيقيين للمهنة، بما يسمح للنقابة بأن يكون لها دور أكبر في حماية الصحفيين ومحاسبة المتجاوزين وضبط سوق العمل الصحفي.

وهذا الطرح يفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة سوق الصحافة في مصر، وحجم العاملين فيه خارج الأطر النقابية، وآليات حماية الصحفيين الذين لم يحصلوا بعد على عضوية النقابة، خصوصا المتدربين والشباب في بداية الطريق.

كما يطرح سؤالا آخر حول المسؤولية المشتركة بين النقابة والمؤسسات الصحفية وأصحاب الأعمال والجهات المعنية، في تنظيم سوق التدريب والعمل، ومنع استغلال حاجة الشباب إلى العمل الصحفي.

النقابة: لا حصانة للمتجاوز.. ولا تخلي عن الصحفي الحقيقي

الرسالة التي يحاول نقيب الصحفيين تثبيتها في أعقاب الواقعة تبدو واضحة: النقابة لن تكون طرفا في الدفاع عن أي تجاوز لمجرد أن صاحبه صحفي، وفي المقابل لن تتخلى عن أي شخص يمارس العمل الصحفي بصورة حقيقية لمجرد أنه غير مقيد بجداولها.

وبذلك يصبح معيار التفرقة هو الممارسة المهنية الحقيقية، وليس مجرد وجود كارنيه أو غيابه.

وفي الوقت نفسه، فإن أعضاء النقابة أنفسهم ليسوا بمنأى عن المساءلة، إذ تؤكد النقابة أنها تتعامل مع التجاوزات المنسوبة إلى أعضائها من خلال التحقيق والمحاسبة وفقًا للقواعد المنظمة للمهنة.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

«فتاة الأوبر».. واقعة تكشف أزمة أكبر

بعيدًا عن تفاصيل الواقعة نفسها، كشفت «فتاة الأوبر» عن أزمة تحتاج إلى معالجة أوسع من مجرد بيانات متبادلة أو حملات غضب على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول اسم الصحافة من وسيلة لكشف الحقيقة والدفاع عن حقوق الناس إلى أداة للضغط عليهم، أو عندما تتحول أحلام الشباب في دخول المهنة إلى سوق مفتوحة للكيانات الوهمية.

وفي المقابل، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتحول إلى حملة ضد المتدربين أو غير النقابيين الذين يمارسون العمل الصحفي بالفعل ويسعون إلى إثبات أنفسهم مهنيا.

واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 
واقعة شيماء فتاة الأوبر منتحلة صفة صحفي 

المطلوب، كما يؤكد موقف نقيب الصحفيين، هو إغلاق الباب أمام منتحلي الصفة، وفتح الباب أمام الممارسين الحقيقيين للمهنة، مع توفير مظلة حماية حقيقية لهم، ووضع قواعد أكثر وضوحا للتدريب والعمل، ومحاسبة كل من يستغل اسم الصحافة لتحقيق مكاسب شخصية.

وهكذا تحولت واقعة بدأت بمقطع فيديو وادعاءات ثبت عدم صحتها إلى جرس إنذار حول ملف أكبر: من يحمي اسم الصحافة؟ ومن يحمي شبابها؟ ومن يملك حق استخدام صفتها؟

والإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون مسؤولية النقابة وحدها، وإنما مسؤولية جماعية للحفاظ على مهنة يفترض أن يكون عنوانها الأول هو الحقيقة، لا استغلال الاسم أو الصفة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء