رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يتذرع الطامعون في  وراثة الخلافة بكلمة الحكم، الواردة في بعض آيات القرآن الكريم، ليؤسسوا عقائدية حاكمية. مع أن كلمة "الحكم" التي وردت في القرآن الكريم، لا تقتصر على معنى واحد، بل يحدد معناها السياق. وفي معظم المواضع وردت بمعانٍ مثل؛ القضاء، والفصل بين الناس، والحكمة، والرأي السديد. ويمكن تلخيص استعمالاتها في ثلاثة معانٍ رئيسية:

  • الحكم بمعنى القضاء والفصل بين الخصومات مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (المائدة:42).
  • والحكم بمعنى الحكمة والعلم والرأي السديد مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (يوسف:22). وكذلك في شأن يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم:12). والمقصود هنا الحكمة والفقه، وليس تولي الحكم السياسي.
  • أما إذا نظرنا إلى المواضع التي وردت فيها عبارة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ نجد أنها تتحدث أساسًا عن سلطان الله في التشريع والعقيدة والقضاء بين الناس، وليس عن شكل نظام الحكم . ففي سورة يوسف (40) كان يوسف يخاطب صاحبي السجن، ويناقش قضية التوحيد، والعبادة له وحده. فالسياق عقدي قبل أن يكون سياسيًا. ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . وفي سورة يوسف (67) يقول يعقوب لأبنائه بعد أن أخذ بالأسباب:﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، أي إن النتائج النهائية بيد الله، فهو تعبير عن التوكل والقضاء والقدر ﴿... إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . وفي سورة الأنعام (57)يرد الخطاب ردًا على من طلبوا تعجيل العذاب، فيقول النبي إن الفصل في الأمر لله وحده، أي إن القضاء النهائي لله. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ . وكذلك في سورة الأنعام، الآية 62: ﴿... أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ . إذن، في المواضع الثلاثة لا يدور الحديث مباشرة عن إقامة دولة أو اختيار نظام سياسي. 
  • أيضَا وردت لفظة يحكم في الآيات (44 – 47)  الذي نزلت في سورة المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ و ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ و ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾. والسياق المباشر للآيات يتحدث عن أهل الكتاب، ويدينهم بسبب تحريف الأحكام أو ترك العمل بها . وذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في واقعة تتعلق ببعض يهود المدينة . و بمدى التزام أهل الكتاب بما أنزل الله عليهم؟ 

وإذا نظرنا إلى آيات سورة المائدة في سياقها التاريخي والنصي، فإنها لا تطرح السؤال بهذه الصيغة: "من يملك حق التشريع، الله أم البرلمان؟".  كما ذهب إلى ذلك أبو الأعلى المودودي. وكثير من المفسرين والباحثين، قديمًا وحديثًا، يرون أن هذه القراءة هي توسيع للمفهوم، بما يتجاوز السياق الأصلي للآيات. فهي لا تتناول مباشرة شكل الدولة، ولا توزيع السلطات، ولا مؤسسة البرلمان، لأن هذه كلها مفاهيم نشأت بعد نزول القرآن بقرون. 

وقد أثرت أفكار المودودي تأثيرًا كبيرًا في الحركات الإسلامية في القرن العشرين. فقد تأثر سيد قطب بالمودودي، لكنه وسّع الفكرة في كتابه "معالم في الطريق". إذ اعتبر أن المجتمعات التي تجعل التشريع للبشر تعيش في جاهلية، وأن الحاكمية تعني أن يكون التشريع لله وحده. 

الطامعون في وراثة الخلافة 

وبعد إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، برزت عدة محاولات لإحياء منصب الخليفة، وكان من أبرز الشخصيات، التي ارتبط اسمها بهذه القضية، الملك فؤاد الأول ملك مصر. حيث كان الملك فؤاد أكثر اهتمامًا بفكرة الخلافة. وأيد بعض شيوخ الأزهر والسياسيين المصريين، أن مصر قد تكون مقرًا مناسبًا للخلافة بعد سقوط الدولة العثمانية.  وشجع أنصاره فكرة ترشيحه للخلافة، مستندين إلى مكانة الأزهر واستقلال مصر النسبي.  وانعقد في القاهرة عام 1926 مؤتمر الخلافة الإسلامي لبحث مستقبل الخلافة، لكن المؤتمر لم يتوصل إلى اختيار خليفة، بسبب اختلاف الدول الإسلامية حول شروط الخلافة، والخلافات السياسية، ورفض كثيرين أن تُحسم المسألة لصالح دولة بعينها، وبذلك لم ينجح مشروع الملك فؤاد.

ونشر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الإسلام وأصول الحكم عام 1925، وقد أثار الكتاب نقاشًا واسعًا. والفكرة الأساسية للكتاب تدور سؤال، هل أوجب الإسلام إقامة دولة أو خلافة ذات شكل معين؟ أم أن ذلك من شؤون البشر؟. وكان جوابه أن الإسلام لم يفرض نظامًا سياسيًا محددًا. وأهم أفكاره أن رسالة النبي ﷺ كانت دينية في الأساس، وأن مهمة النبي محمد ﷺ كانت تبليغ الوحي، ودعوة الناس إلى الإيمان، وبيان الأحكام الشرعية. أما السلطة التي مارسها في المدينة، يرى أنها كانت مرتبطة بقيادته للمجتمع في ظروف عصره، وليست تشريعًا ملزمًا لكل المسلمين في كل زمان ومكان، وأن الخلافة ليست أصلًا من أصول الدين. وإن القرآن لم ينص على وجوب إقامة الخلافة، ولم يحدد طريقة اختيار الخليفة أو صلاحياته. 

بل هي نظام سياسي تاريخي، نشأ باجتهاد المسلمين بعد وفاة النبي ﷺ. والسياسة مجال للاجتهاد، يرى أن للمسلمين أن يختاروا بين؛ الملكية والجمهورية، الديمقراطية، أو أي نظام آخر. بشرط أن يحقق العدل والمصلحة، لأن الإسلام لم يفرض شكلًا واحدًا للحكم. ولا يدعو علي عبد الرازق إلى إلغاء الدين من الحياة العامة، لكنه يميز بين الدين بوصفه مصدرًا للهداية والقيم، والدولة بوصفها مؤسسة بشرية تخضع للاجتهاد والخبرة. وقد اعتبر كثير من شيوخ الأزهر المنحازون لرغبة الملك فؤاد آنذاك، أن الكتاب ينكر أمرًا مستقرًا في التراث السياسي الإسلامي، فحاكمت هيئة كبار العلماء علي عبد الرازق، وسُحبت منه شهادة العالمية، وعُزل من القضاء الشرعي. 

ويُعد فكر الشيخ محمود شلتوت أشيخ الأزهر، أقرب إلى المدرسة الإصلاحية الأزهرية، التي يمثلها أيضًا محمد عبده، حيث تركز على أن الإسلام يقدم قيمًا ومقاصد عامة للحكم، ولا يفرض نموذجًا دستوريًا واحدًا صالحًا لكل زمان ومكان. وأبرز ملامح موقفه في كتابه الإسلام العقيدة والشريعة 1959. وأن الشريعة تشمل العبادات، والمعاملات، والأسرة، والقضاء، والعلاقات الاجتماعية وغيرها. لكن هذا لا يعني أن القرآن وضع دستورًا تفصيليًا للدولة بكل مؤسساتها. ويرى شلتوت أن وظيفة السلطة هي إقامة العدل، وحفظ الأمن، وصيانة الحقوق، وتنفيذ الأحكام التي شرعها الله. أما كيفية تنظيم مؤسسات الدولة، وطريقة اختيار الحاكم، وتقسيم السلطات، فهي من الأمور التي تُترك لاجتهاد المسلمين وفق مصالحهم وظروف عصرهم، ما دامت لا تصادم أصول الشريعة. ويؤكد أن الشورى أصل قرآني، لكنه لا يربطها بنظام سياسي تاريخي بعينه، ولذلك يمكن للمسلمين تطوير مؤسساتهم السياسية بما يحقق هذا المبدأ. ولا يجعل شلتوت إقامة الخلافة بشكلها التاريخي واجبًا تعبديًا، وإنما ينظر إلى الحكم باعتباره وسيلة لإدارة المجتمع وتحقيق مقاصد الإسلام، وليس غاية في ذاته.

لم يكن بين الأنبياء ملوكًا، بل كانوا مبلغين لرسالة الله، دون أن تكون لهم سلطة سياسية. باستثناء داود عليه السلام وابنه سليمان عليه السلام ، الذي ورث الملك عن أبيه، فقد جمعا بين النبوة والملك، وكان لهما سلطانًا واسعًا. وقد دعا الله بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: 35). أما يوسف، فلم يكن ملكًا بالمعنى الحرفي، لكنه تولى منصبًا سياسيًا وإداريًا رفيعًا في مصر. وقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (يوسف: 55). فكان وزيرًا أو مسؤولًا عن خزائن الدولة، وليس الملك. 

أما بقية الأنبياء، مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فلم يكونوا ملوكًا، وإن قاد بعضهم أمته دينيًا واجتماعيًا. 

في ظل هذا المناخ الذي جرى فيه السعي لوراثة الخلافة الإسلامية التي ألغاها مصطفى كمال أتاتورك، أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين 1928 عقب ووفاة سعد زغلول 1927، وتعطيل الملك فؤاد لدستور 23.  فرفع شعار (الرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا). متغافلًا عن أن قضية الأمة وقت ذاك، كانت الاحتلال البريطاني لمصر، ولم تكن الكفر بدين الله. 

لكن حركته شابها انحرافات سياسية عديدة، فقد تعاون مع الانجليز منذ النشأة، حيث تلقى حسن البنا هبة كبيرة من المخابرات البريطانية عن طريق هيئة قناة السويس في الإسماعيلية عام ١٩٢٨وهم العدو الرئيسي المحتل للبلاد. كما تستر البنا على انحراف أخلاقي لعبد الحكيم عابدين صهره وأمين عام الجماعة، واتهم باستغلال منصبه والتحرش بنساء الجماعة، وشكل البنا لجنة تحقيق من شخصيات بارزة في الجماعة، لكنه رفض نتيجة التحقيق، فترتب على ذلك خروج بعض كبار الأعضاء. وكما يذكر أيضًا الفريق أول صادق في مذكراته، أنه عندما كان ملحقًا عسكريًا في ألمانيا الغربية أوائل الستينات ، تقدمت إليه زوجة سعيد رمضان أحد قيادات الإخوان المسلمين وزوج ابنة حسن البنا، بشكوى كشفت فيها عن علاقات نسائية يمارسها زوجها، وطلبت منه التوسط والمساعدة في هذا الشأن. بل يواجه ابنه طارق رضان وحفيد حسن البنا نفس التهمة في فرنسا 2022.    

كما قامت الجماعة باغتيالات سياسية عديدة، منها اغتيال رئيسيَّ وزراء؛ هما احمد ماهر والنقراشي، وقد كانا من شباب ثورة ١٩، وتعاون مع الدكتاتور اسماعيل صدقي 1946، ضد الحركة الوطنية التي قامت في نفس العام.. 

قام الملك فاروق باغتياله في فبراير عام 1949، ومع ذلك ذهب المرشد الجديد حسن الهضيبي لزيارة الملك صرح بعدها "زيارة كريمة لملك كريم" .. علاوة على اعتراضه على مشاركة شباب الإخوان في الكفاح المسلح ومطالبتهم بالعكوف على قراءة القرآن. فرد عليه خالد محمد خالد بمقال ساخر في روز اليوسف عنوانها "أبشر بطول البقاء يا جورج" ..

الإخوان المسلمين وادعاء ديموقراطية إسلامية 

عرض القيادي الإخواني عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، المعبر عن جماعة الإخوان المسلمين - في مقال له بعنوان "بناء نموذج ديموقراطي إسلامي .. الآليات  والوسائل" نشرتها جريدة الحياة اللندنية في 27 مارس 2010 - نموذجًا لنظام سياسي حديث، قدم فيه البنية المعروفة للديموقراطية، والتي تشمل الدستور والبرلمان وتعدد الأحزاب والانتخابات الحرة والرأي العام القوي والمجتمع المدني النشط. كما حاول أن يعطيه مسحة إسلامية بالحديث عن تعددية المذاهب الفقهية، وضرب الأمثلة بقبول النبي لاجتهادات الصحابة، بل واستنكار كل ما جرى من صراع بعد الفتنة الكبرى. ثم أنهى المقال بالدعوى للحل الشوري أو الديموقراطي. 

ولكن في الممارسة الفعلية للجماعة الإخوان المسلمين اختلف الأمر، فعندما تولى الحكم الرئيس الإخواني الدكتور محمد مرسي ، أصدر في 22 نوفمبر 2012 إعلانًا دستوريًا أثار أزمة سياسية كبيرة، أهم ما تضمنه الإعلان الدستوري: تحصين قرارات رئيس الجمهورية من الطعن أمام القضاء حتى إقرار الدستور وانتخاب مجلس جديد، أي أن قراراته أصبحت غير قابلة للإلغاء أو المراجعة القضائية. ومنح الرئيس صلاحيات لاتخاذ ما يراه من إجراءات لحماية الثورة والوحدة الوطنية، وهي صياغة رآها المعارضون فضفاضة وتمنحه سلطات استثنائية.

وكان ذلك من أهم الأسباب التي أدت إلى توحيد معظم قوى المعارضة في إطار جبهة الإنقاذ الوطني، كما أشعلت احتجاجات واسعة. وقد حاول الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وقتها، التوفيق بين الرئيس وجبهة الإنقاذ، بدعوتهما للقاء في إحدى دور القوات المسلحة للتقريب بين الطرفين. ووافق الطرفان على الاقتراح، ولكن سرعان ما تراجع الرئيس، تحت ضغط مكتب إرشاد الجماعة، فعدنا إلى نقطة الصفر. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء