رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصلاة على الشاشة.. حضور محدود ورسائل تتجاوز المشهد المباشر

إيجبتكِ

حظيت القضايا الدينية، وعلى رأسها الالتزام بالصلاة، بحضور متفاوت داخل الأعمال الفنية، حيث تعاملت معها الدراما والسينما بوصفها عنصرًا إنسانيًا يعكس صراع الشخصية بين متطلبات الحياة اليومية والالتزام بالقيم الروحية. وبينما ظهرت هذه الفكرة بشكل أوضح في المسلسلات، جاءت في الأفلام غالبًا بصورة رمزية أو ضمن سياق درامي أوسع.

«الداعية».. نموذج درامي مباشر للصراع بين العمل والدين

يُعد مسلسل «الداعية» من أبرز الأعمال التي تناولت فكرة الالتزام بالصلاة في سياق الحياة اليومية المعاصرة. تدور أحداثه حول داعية شاب يحقق شهرة واسعة عبر وسائل الإعلام، لكنه يواجه صراعات متتالية بين متطلبات الظهور الإعلامي وضغوط العمل، وبين التزامه الديني.

ويقدم العمل عددًا من المشاهد التي تُظهر أداء الصلاة وسط الانشغالات، إلى جانب مواقف تتطلب من البطل إعادة ترتيب أولوياته، بما يعكس فكرة تقديم الالتزام الديني على بعض متطلبات الحياة. كما يتناول المسلسل تحولات الشخصية الرئيسية، وكيف تؤثر التجارب الحياتية في درجة التمسك بالمبادئ.

فيلم الإرهاب والكباب  (1992)

يدور الفيلم في إطار من الكوميديا السوداء حول المواطن البسيط "أحمد" (عادل إمام) الذي يتوجه إلى مجمع التحرير لإنهاء معاملة روتينية لنقل أطفاله إلى مدرسة أخرى. 

هناك يصطدم بالبيروقراطية والتعطيل المتعمد من الموظف "مدحت" (أحمد راتب)، الذي يترك مكتبه باستمرار بحجة الذهاب للصلاة كحيلة للتهرب من العمل. 

يثير هذا التصرف غضب أحمد وتحدث مشاجرة بالأيدي تتطور سريعاً وبشكل غير مقصود إلى سيطرته على سلاح ميري، ليجد نفسه فجأة متهماً بالإرهاب ويحتجز رهائن داخل المبنى الحكومي، مما يفجر حواراً مجتمعياً ساخراً مع السلطات حول حقوق المواطن البسيط.

فيلم مولانا (2017)

يقدم الفيلم، المأخوذ عن رواية الكاتب إبراهيم عيسى ومن إخراج مجدي أحمد علي، شخصية الشيخ "حاتم الشناوي" (عمرو سعد)، وهو داعية واسع الثقافة وذكي، يتحول إلى نجم إعلامي شهير. يعيش حاتم صراعاً طاحناً وضغوطاً هائلة؛ فهو محاصر بين متطلبات القنوات الفضائية التي تبحث عن الإثارة ونسب المشاهدة، وضغوط الأجهزة الأمنية والسياسية التي تحاول توجيه فتاواه لخدمة مصالحها، فضلاً عن أزمته العائلية الشخصية مع مرض ابنه. 

وسط هذا "العمل الإعلامي" الصاخب والمربك الذي يكاد يبتلع دينه وإنسانيته، تظهر الصلاة في الفيلم (سواء صلاته الفردية أو إمامته للناس) كأداة لاستعادة توازنه الداخلي. الصلاة هنا هي اللحظة الوحيدة التي يتجرد فيها الشيخ حاتم من نجوميته وقناع "الداعية التلفزيوني" ليعود عبداً يبحث عن السكينة والصدق مع الله، مما يمنحه الثبات النفسي لمواجهة تلك التحديات المعقدة والتمسك بوسطية دينه دون الانزلاق في فخ النفاق أو التطرف.

فيلم الشيخ جاكسون (2017)

يتناول الفيلم قصة "خالد" (أحمد الفيشاوي)، وهو شاب يمر بأزمة هوية حادة وصراع نفسي داخلي مرير. خالد كان في مراهقته مهووساً بملك البوب "مايكل جاكسون" ويحاكي رقصاته وملابسه، لكنه تحول في شبابه إلى إمام مسجد ملتزم ومتشدد يرتدي الثوب الأبيض ويطلق لحيته. الصلاة هنا لم تكن مجرد عبادة، بل كانت الملاذ الذي يحاول من خلاله كبح ماضيه وهوسه القديم. 

تفجرت الأزمة النفسية للبطل عند سماعه نبأ وفاة مايكل جاكسون عام 2009؛ حيث اهتزت ثوابته وبدأ يفقد خشوعه في الصلاة، ليدخل في حالة تذبذب وتشتت بين نمطين متناقضين من الحياة: حياة الالتزام الديني الصارم، وحياة الشغف بالموسيقى والحرية التي عاشها في مراهقته، وهو ما جعله يبحث عن تصالح حقيقي بين هويته الماضية والحاضرة.

مسلسل لعبة نيوتن (2021)

رغم أن المسلسل ناقش قضايا اجتماعية متعددة، إلا أنه سلط الضوء من خلال شخصية "مؤنس" (محمد فراج) في أمريكا على فكرة إقامة المركز الإسلامي، والحرص على التجمع لأداء الصلاة والعبادات في مجتمع غربي. أظهر العمل كيف يصبح الحفاظ على المظهر والشعائر الإسلامية وسيلة لبناء جدار حماية نفسي واجتماعي للمغتربين المسلمين هناك في مواجهة التحديات الثقافية.

الأفلام العالمية.. حضور أوضح في السياقات التاريخية والمعاصرة

تظهر الصلاة بشكل أكثر وضوحًا في بعض الأفلام العالمية، خاصة تلك التي تتناول موضوعات تاريخية أو سياسية. يقدم فيلم «The Message» (الرسالة) نموذجًا بارزًا، حيث يعرض الصلاة كجزء أساسي من حياة المسلمين في مختلف الظروف.

فيلم مملكة السماء - Kingdom of Heaven (2005)

يقدم الفيلم الصلاة كأداة للثبات والتمسك بالهوية الروحية وسط أهوال الحرب وضغوط القتال المستمر. تتجسد هذه المشاهد بوضوح في معسكرات الجيشين؛ حيث يظهر الجنود الصليبيون وهم يؤدون صلواتهم وطقوسهم المسيحية بضراوة وخشوع قبل خوض المعارك لطلب النصر والندم على الخطايا. 

وفي المقابل، تظهر مشاهد قوية للجنود المسلمين في جيش صلاح الدين الأيوبي وهم يقفون صفوفاً منتظمة لأداء الصلاة في قلب الصحراء وتحت ظروف المواجهة الصعبة.

 لم تكن هذه المشاهد مجرد توثيق لطقوس دينية، بل استخدمها المخرج كدلالة بصرية قوية على أن الإيمان والبحث عن المدد الإلهي كانا الدافع الأكبر لكلا المعسكرين، مما أبرز التناقض الإنساني في قتال طرفين يملك كل منهما يقيناً عقائدياً كاملاً بوقوف الله معه وسط وطيس المعركة.

فيلم عمر -  (2013) Omar 

يقدم الفيلم الصلاة والالتزام الديني كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي واليومي لـ "عمر" (آدم بكري) وأصدقائه الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة. وسط أجواء الخوف، والمطاردات المستمرة، والاضطرار لتسلق جدار الفصل العنصري لرؤية الحبيبة، تظهر المشاهد الدينية والصلاة كملجأ وحيد للثبات الروحي والنفسي. 

الصلاة هنا تعكس محاولة الشخصيات التمسك بإنسانيتها وهويتها، والبحث عن السكينة والطمأنينة وسط واقع قاصٍ تملؤه الضغوط النفسية، وصدمات التحقيق، ومشاعر الشك والخيانات القسرية التي يفرضها الاحتلال لتفكيك العلاقات الإنسانية بين الأصدقاء.

فيلم اسمي خان - My Name is Khan (2010) 

يقدم الفيلم ممارسة الصلاة والالتزام الديني من خلال شخصية "رضوان خان" (شاروخان)، وهو مسلم هندي مصاب بمتلازمة أسبرجر يعيش في الولايات المتحدة. تتبدل حياة رضوان بعد أحداث 11 سبتمبر نتيجة تصاعد موجة "الإسلاموفوبيا" والتمييز ضد المسلمين. 

وفي واحدة من أبرز لقطات الفيلم، يصر رضوان على أداء فريضة الصلاة في أماكن عامة ومفتوحة (مثل محطة الحافلات) وسط نظرات الدهشة، والوجل، أو التوجس من المحيطين به. الصلاة هنا لم تكن مجرد طقس تعبدي، بل تحولت إلى رمز لثباته النفسي، وتمسكه بهويته الدينية النقية دون خوف أو خجل، ومحاولة لإثبات أن الإسلام يحمل قيم السلام والخير، متحدياً بذلك الأحكام المسبقة والضغوط الاجتماعية والثقافية الشديدة التي فرضت على المسلمين في تلك الحقبة.

بين الطرح المباشر والرمزي

تُظهر هذه الأعمال أن فكرة ترك العمل من أجل الصلاة نادرًا ما تُقدَّم بشكل مباشر وصريح في السينما، بينما تبرز بشكل أوضح في الدراما التلفزيونية مثل «الداعية». وغالبًا ما يتم توظيف الصلاة كرمز للثبات أو التحول أو الهوية، وليس فقط كممارسة يومية.

يعكس تناول الصلاة في الأعمال الفنية تنوعًا في المعالجة، بين الطرح الواقعي والرمزي، وبين السياقات التاريخية والمعاصرة. وبينما تمنح الدراما مساحة أوسع لإبراز التفاصيل اليومية للالتزام، تظل السينما أكثر ميلًا لتقديم الفكرة ضمن إطار درامي أشمل، يعكس صراع الإنسان بين متطلبات الحياة وقيمه الروحية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء