رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هناك نجوم يلمعون في السماء لسنوات، ثم يخفت بريقهم بانتهاء عصرهم، وهناك نجوم يتحولون إلى جزء من ذاكرة الأمة، لأنهم لم يكونوا مجرد وجوه جميلة، بل كانوا تعبيرًا عن مرحلة كاملة من تاريخ الفن والمجتمع. ومن هذا النوع كان رشدي أباظة، الذي لم يكن "دنجوان السينما المصرية" فحسب، بل كان أحد أهم من أعاد تعريف صورة البطل على الشاشة العربية.

لقد ظلمت الألقاب رشدي أباظة بقدر ما منحته المجد. فلقب "الدنجوان" اختزل ممثلًا شديد الثراء في صورة الرجل الوسيم الذي يطارد النساء، بينما تكشف إعادة مشاهدة أفلامه أن الرجل كان يمتلك موهبة تمثيلية استثنائية، وحضورًا طاغيًا، وذكاءً فنيًا جعله قادرًا على الانتقال بين الرومانسية والكوميديا والأكشن والدراما الاجتماعية والسياسية دون أن يفقد هويته أو جاذبيته.

ولد رشدي أباظة وفي ملامحه امتزاج الشرق بالغرب؛ أب مصري من أسرة أباظة العريقة وأم إيطالية، فحمل وسامة المتوسط وكاريزما الشرق معًا. لكن السينما لا تمنح النجومية للوسامة وحدها، وإلا لتحول كل جميل إلى نجم. ما صنع أسطورة رشدي أباظة هو قدرته النادرة على أن يجعل حضوره امتدادًا طبيعيًا للشخصية، لا قناعًا يخفيها.

في بداياته لم يكن الطريق مفروشًا بالنجاح. جاءت أدواره الأولى محدودة، لكنه كان يتعلم لغة الكاميرا بصبر، حتى جاءت سنوات الخمسينيات لتعلن ميلاد نجم من طراز خاص. ومع فيلم الرجل الثاني أصبح واضحًا أن السينما المصرية عثرت على بطل يجمع بين الرومانسية والقوة، وبين الرقة والصلابة، وبين الوسامة والرجولة.

لم يكن رشدي أباظة بطلًا خارقًا، بل كان إنسانًا يخطئ ويحب ويغضب ويخسر. ولذلك صدقه الجمهور. كان قادرًا على أن يبدو عاشقًا في لقطة، ومقاتلًا في الثانية، ومنهزمًا في الثالثة، دون أن يشعر المشاهد بأي افتعال.

في بيتنا رجل بلغ رشدي أباظة واحدة من قمم نضجه الفني. لم يقدم شخصية المناضل باعتبارها شعارًا سياسيًا، وإنما إنسانًا يعيش صراعًا داخليًا بين الواجب الوطني والمشاعر الإنسانية. كانت عيناه تتحدثان أكثر مما تقوله الحوارات، وكان صمته أبلغ من الخطب الطويلة، وهي سمة لا يمتلكها إلا كبار الممثلين.

أما في الزوجة 13 فقد كشف وجهًا آخر من موهبته. هنا يبتعد عن صورة البطل التقليدي، ليقدم كوميديا راقية تعتمد على الإيقاع والذكاء وخفة الظل، في انسجام رائع مع شادية. لم يكن يضحك الجمهور بالمبالغة، وإنما بابتسامة، أو نظرة، أو توقيت محسوب، وهو ما جعل الفيلم واحدًا من كلاسيكيات الكوميديا المصرية.

وجاء صغيرة على الحب ليؤكد أن رشدي أباظة لا يخشى السخرية من صورته كنجم وسيم، بل يوظفها دراميًا في عمل يمزج الاستعراض بالكوميديا والرومانسية. وهذه القدرة على السخرية من الذات كانت دليلًا على ثقة الفنان في موهبته، لا في صورته فقط.

ثم جاءت السبعينيات بفيلم غروب وشروق، أحد أهم الأفلام السياسية في تاريخ السينما المصرية. هنا يبلغ رشدي أباظة ذروة النضج؛ أداء هادئ، محسوب، يخلو من الاستعراض، ويعتمد على التعبير الداخلي. في هذا الفيلم يثبت أن الممثل الكبير هو الذي يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك للكاميرا مهمة كشف أعماق الشخصية.

إن المتأمل في مسيرته يكتشف أن رشدي أباظة لم يكن نجمًا فرديًا، بل كان شريكًا في نجاح أجيال كاملة من الفنانات. وقف أمام فاتن حمامة، وشادية، وسعاد حسني، ونادية لطفي، وماجدة، وصباح، وهند رستم، ومريم فخر الدين، ولم يطغ حضوره على أحد، بل كان يمنح شريكته المساحة نفسها للتألق، وهي صفة لا يمتلكها إلا الممثل الواثق من نفسه.

كما كان محظوظًا، وكان ذكيًا في اختياراته، إذ تعاون مع كبار المخرجين مثل عز الدين ذو الفقار، وحسن الإمام، وكمال الشيخ، وهنري بركات، وحسين كمال، وغيرهم، فكان جزءًا من العصر الذهبي للسينما المصرية، ذلك العصر الذي لم يكن يعرف الفصل بين النجاح الجماهيري والقيمة الفنية.

ورغم أن الجمهور احتفى برشدي أباظة بوصفه "فتى الشاشة الأول"، فإن القيمة الحقيقية لمشروعه تكمن في أنه ساهم في تطوير صورة البطل المصري. فقد انتقلت البطولة معه من الفتوة التقليدية إلى الرجل العصري، الأنيق، المثقف، الذي يحمل القوة دون خشونة، والرومانسية دون ضعف، والكبرياء دون غرور.

وربما كان أكثر ما يميز أداءه هو تلك العفوية الساحرة. لم يكن ممثلًا يستعرض أدواته، بل كان يعيش الشخصية حتى تبدو وكأنها جزء من حياته. لذلك بقيت أفلامه حية، لأن الصدق الفني لا يشيخ.

رحل رشدي أباظة قبل أن يكمل فيلم الأقوياء، وكأن الستار أُسدل قبل انتهاء المشهد الأخير. لكن الفنانين الكبار لا تنتهي حياتهم برحيلهم، بل تبدأ مرحلة جديدة داخل ذاكرة الجمهور. وما زال حضوره حتى اليوم حاضرًا في وجدان عشاق السينما، ليس باعتباره رمزًا للوسامة، وإنما أحد أعمدة الأداء التمثيلي في تاريخ الفن العربي.

لقد كان رشدي أباظة أكثر من "دنجوان". كان ممثلًا يمتلك حسًا دراميًا مرهفًا، ونجمًا يعرف كيف يخدم الفيلم قبل أن يخدم صورته، وفنانًا أدرك أن النجومية الحقيقية لا تصنعها الملامح، بل تصنعها الموهبة والاختيارات والقدرة على البقاء في ذاكرة الزمن.

ولهذا، وبعد مرور عقود على رحيله، ما زال اسمه يُذكر باحترام يليق بالكبار؛ لأن السينما المصرية لم تكسب فيه نجمًا محبوبًا فقط، بل ربحت أحد أبرز صُنّاع صورتها الذهبية، وأحد الوجوه التي منحت الشاشة العربية جزءًا من خلودها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء