عالم أزهري يوضح التصرف الشرعي عند منع الصلاة داخل منشأة تجارية
علق الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف على الجدل الدائر حول منع فتاة من الصلاة في أحد المطاعم، مجيبا عن عدة تساؤلات متعلقة بهذا الشأن، أهما: هل يجوز للمنشآت التجارية تنظيم الشعائر الدينية داخلها؟ وهل يجب على أصحاب المنشآت التجارية تخصيص مكان لأداء الصلاة؟
تنظيم الشعائر الدينية في المنشآت التجارية
في البداية، أكد الدكتور أسامة قابيل، ف تصريح لـ "إيجبتك" أنه يجوز للمنشآت التجارية تنظيم أداء الشعائر داخلها بما يحقق النظام العام ولا يسبب ضررًا أو تعطيلًا لمصالح الناس، بشرط ألا يصل هذا التنظيم إلى حد منع الصلاة أو التضييق المؤدي إلى تركها.
وأشار إلى أن الصلاة فريضة مرتبطة بوقت محدد لا يجوز إخراجها عنه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، أي مفروضة في أوقات محددة لا يجوز تأخيرها بلا عذر. وفي الوقت نفسه، أقرت الشريعة مبدأ رفع الضرر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ومن هنا جاز التنظيم لتحقيق المصلحة، لكن لا يجوز أن يتحول التنظيم إلى منعٍ لأداء الفريضة.
ما التصرف الشرعي عند منع الصلاة؟
وأجاب أسامة قابيل، عن سؤال: لو ثبت أن شخصًا مُنع بالفعل من الصلاة داخل منشأة تجارية، فما التصرف الشرعي الصحيح في هذه الحالة؟
وقال إن الواجب على المسلم إذا مُنع من الصلاة في موضعٍ ما أن يسارع إلى البحث عن مكان آخر طاهر يؤدي فيه صلاته، سواء داخل المنشأة إن وُجد مكان مناسب، أو خارجها، لأن الشريعة وسّعت أماكن الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، أي أن الأرض كلها تصلح للصلاة ما دامت طاهرة. ومع ذلك، ينبغي أن يكون التعامل مع هذا الموقف بالحكمة والهدوء، دون مشاجرة أو إساءة.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فالصلاة عبادة تهذب السلوك، ولا ينبغي أن تتحول إلى سبب نزاع أو خصومة.
منع الصلاة في المنشآت التجارية
كما أجاب أسامة قابيل، عن سؤال: هل يجوز لصاحب المنشأة أن يمنع الصلاة لمجرد أنها لا تتناسب مع الصورة التي يريد تقديمها عن المكان؟
وأكد أن الحكم يختلف باختلاف طبيعة المكان ومدة بقاء الشخص فيه:
فمن حيث طبيعة المنشأة: إذا كانت المنشأة واسعة أو متعددة الأدوار (كالمولات، والمراكز التجارية الكبيرة)، ويصعب الخروج منها بسهولة، فهنا يَتأكد تمكين الناس من الصلاة داخلها، ويكون تخصيص مكان مناسب أمرًا مطلوبًا شرعًا، لأنه يرفع الحرج ويعين على أداء الفريضة.
أما إذا كانت المنشأة صغيرة أو ضيقة (كمحل محدود المساحة أو مطعم مزدحم)، ويؤدي أداء الصلاة بداخلها إلى تعطيل العمل أو إعاقة حركة الناس أو إشغال الممرات، فيجوز لصاحبها أن ينظّم ذلك ويمنع أدائها في موضع يسبب ضررًا، مع توجيه الشخص إلى مكان آخر مناسب.
ومن حيث مدة بقاء الشخص: إذا كان وجوده داخل المنشأة طويلًا بحيث يخشى خروج وقت الصلاة (كعامل أو موظف أو شخص منتظر لفترة ممتدة)، فهنا يتأكد حقه في أداء الصلاة داخل المكان أو في موضع قريب منه، ولا يجوز منعه منعًا يؤدي إلى فوات الصلاة. أما إذا كان وجوده قصيرًا، ويمكنه الخروج بسهولة لأداء الصلاة دون مشقة أو فوات الوقت، فيُستحب أن يخرج إلى مكان أيسر وأهدأ لأدائها.
ويُضبط ذلك كله بقاعدة شرعية جامعة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، مع وجوب المحافظة على الصلاة في وقتها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
هل يجب تخصيص مكان للصلاة؟
كما أجاب العالم الأزهري، على سؤال آخر يقول: هل يجب على أصحاب المنشآت التجارية تخصيص مكان لأداء الصلاة؟
وأكد أسامة قابيل، أنه لا يجب ذلك وجوبًا إلزاميًا من الناحية الفقهية، لكن يُعد من الأمور المستحبة المؤكدة، خاصة في الأماكن الكبيرة التي يقضي فيها الناس أوقاتًا طويلة، كالمولات وأماكن العمل. وذلك لأنه يدخل في باب التعاون على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فتوفير مكان مناسب للصلاة يعين الناس على أداء الفريضة في وقتها، ويعكس احترام القيم الدينية، ويحقق التوازن بين متطلبات العمل وحقوق العبادة.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية راعت التوازن بين أداء العبادة وحفظ النظام، فأباحت التنظيم ومنعت التضييق، وأكدت أن الصلاة حق ثابت لا يجوز منعه، وأن التعامل معها ينبغي أن يكون بالحكمة والاحترام، من جميع الأطراف.









