رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الرياض إلى أنقرة وإسلام آباد.. تحالف ثلاثي في مواجهة تحديات الإقليم/خاص

اتفاقية  مكة
اتفاقية مكة

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وما تفرضه من معادلات أمنية وعسكرية جديدة، برز الاتفاق العسكري بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتباره خطوة تتجاوز حدود التعاون الدفاعي التقليدي، لتطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة التحالف الجديد، وأهدافه، والرسائل التي يحملها إلى القوى الإقليمية والدولية.

اتفاق وثلاث دول


ويجمع الاتفاق ثلاث دول تتمتع كل منها بثقل مختلف في محيطها الإقليمي؛ فالسعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وموقعًا استراتيجيًا محوريًا في الخليج، بينما تمثل تركيا قوة عسكرية وصناعية مؤثرة في الشرق الأوسط، في حين تمتلك باكستان قدرات عسكرية وخبرة قتالية، فضلًا عن كونها قوة نووية. 

 

ومن هنا تبدو أهمية هذا التقارب الذي يجمع بين عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية في إطار واحد.

 

تغييرات إقليمية


ولا يأتي الاتفاق بمعزل عن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملفات النفوذ الإيراني، والتوترات الهندية الباكستانية، ومستقبل الدور التركي في سوريا، إلى جانب التحولات في العلاقات السعودية الأمريكية والإسرائيلية، وما يرتبط بها من ترتيبات أمنية وسياسية متسارعة.


وبينما تقدم الدول الثلاث تحالفها باعتباره إطارًا لتعزيز الأمن والدفاع المشترك، فإن توقيته وتركيبة أطرافه يفتحان الباب أمام قراءة أوسع لدوافعه الحقيقية، ومدى قدرته على تحقيق معادلة ردع جماعي جديدة، وما إذا كان يمثل نواة لتحالف استراتيجي طويل الأمد، أم أنه مجرد ترتيبات أمنية مرحلية فرضتها طبيعة التهديدات والمصالح.

 

أسباب موضوعية وراء تشكيل التحالف

حسين الأسعد 
حسين الأسعد 

وفي هذا الشأن يقول الباحث في الشؤون الدولية والشأن العراقي حسين الأسعد، إن هناك أسبابًا موضوعية تختلف من دولة إلى أخرى، دفعت هذه الدول في المرحلة الحالية إلى التفكير في تشكيل تحالف أمني، موضحًا أن المملكة العربية السعودية تواجه مخاطر مرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة، فضلًا عن تعرضها في بعض الأحيان لهجمات إيرانية باتجاه الأراضي أو الجانب السعودي.

وأضاف الأسعد أن باكستان لديها أيضًا مخاوفها الخاصة، وفي مقدمتها التوترات مع الهند، التي تحظى بدعم إسرائيلي، وهو ما يجعل إسلام آباد بحاجة إلى الحفاظ بصورة مستمرة على قدرتها على مواجهة الصراع مع الجانب الهندي.

المصالح التركية في سوريا والتحديات الإقليمية

وفيما يتعلق بتركيا، أوضح الباحث أن أنقرة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في سوريا، وهو ما يتعارض، بحسب رؤيته، مع الرغبات الإسرائيلية التي تستهدف عدم منح تركيا مساحة واسعة للتحرك والنفوذ في هذه المنطقة.

وأشار إلى وجود عوامل جيوسياسية أخرى تؤثر في الموقف التركي، من بينها التوترات مع اليونان، إلى جانب ملف حزب العمال الكردستاني وغيرها من الملفات الأمنية والاستراتيجية.

وأكد الأسعد أن تلاقي المصالح بين الدول الثلاث دفعها إلى التفكير في إيجاد حلول أمنية مشتركة، في ظل تشابك الأهداف والمصالح بينها، موضحًا أن الرغبة في الوصول إلى حالة من التكامل دفعت باتجاه توقيع هذا التحالف.

تعظيم الردع الجماعي

وعن أهداف التحالف، قال الأسعد إن الهدف الأول يتمثل في تعظيم حالة الردع الجماعي، مشيرًا إلى وجود بند في الاتفاق يشبه المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والتي تنص على أن أي هجوم أو اعتداء على إحدى دول الحلف يُعتبر اعتداءً على دول الحلف جميعًا.

وأوضح أن الفكرة نفسها تنطبق على الدول الثلاث، بحيث يُعتبر أي اعتداء على إحدى هذه الدول اعتداءً على الدول الثلاث مجتمعة، الأمر الذي يعني أن أي هجوم يستهدف طرفًا واحدًا سيواجه برد من الأطراف الأخرى.

وأشار إلى أن هذا الأمر يرفع تكلفة أي هجوم محتمل من جانب الخصوم، إذ إن الدولة التي تتعرض للهجوم لن تكون بمفردها في مواجهة الطرف المعتدي، وإنما ستتلقى دعمًا ومساندة من الدول الأخرى المنضوية في التحالف.

توسيع التعاون الأمني والعسكري

وأضاف الباحث أن من أهداف هذا التحالف أيضًا توسيع نطاق التعاون الأمني، والوصول إلى حالة من التكامل في المجال العسكري، سواء على المستوى الفني أو على المستوى الاستراتيجي.

وأوضح أن المقصود هو تحقيق نوع من التكامل في القدرات العسكرية والفنية والاستراتيجية للدول الثلاث، بما يسمح لكل دولة بالاستفادة من القدرات والإمكانات التي تمتلكها الدولتان الأخريان.

تقليل الاعتماد على الهيمنة الخارجية

وأشار الأسعد إلى أن من بين الأهداف المهمة للتحالف محاولة التخلص من الهيمنة الخارجية، موضحًا أن الدول الثلاث كانت تلجأ في كثير من الأحيان إلى الدول الغربية للحصول على المساعدة عند تعرضها لمخاطر أو تهديدات أمنية.

وقال إن المساعدات الغربية غالبًا ما تكون مشروطة، وهو ما يمكن أن يضعف الموقف السياسي للدول التي تعتمد عليها، ولذلك فإن الدول الثلاث تحاول، من خلال هذا التحالف، تقليل الاعتماد على القوى الخارجية والحفاظ على قدر أكبر من الاستقلال في القرار السياسي والأمني.

وأكد أن الوصول إلى حالة من التكامل يمثل أحد الأهداف الأساسية للتحالف، إذ تمتلك كل دولة من الدول الثلاث مزايا وقدرات يمكن أن تستفيد منها الدول الأخرى.

التكامل بين قدرات السعودية وتركيا وباكستان

وأوضح الباحث أن المملكة العربية السعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا كبيرًا، إلى جانب موقع استراتيجي مهم في المنطقة، فضلًا عن كونها دولة ذات قدرات اقتصادية كبيرة وموقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية.

وفي المقابل، تمتلك تركيا جيشًا كبيرًا، إضافة إلى قاعدة متقدمة من الصناعات العسكرية، وهو ما يمنحها قدرات عسكرية وفنية يمكن أن تشكل عنصرًا مهمًا في التحالف، بينما قد تحتاج في بعض الجوانب إلى دعم اقتصادي.

أما باكستان، فأشار الأسعد إلى أنها تمثل قوة نوعية، باعتبارها دولة نووية، إلى جانب امتلاكها خبرات قتالية وعسكرية كبيرة، وهو ما يجعل القدرات التي تمتلكها الدول الثلاث مكملة لبعضها البعض.

مراقبة إيران وإسرائيل والهند للتحالف

وعن ردود الفعل المتوقعة، قال الأسعد إن هناك دولًا ستتوجس من هذا التحالف، وفي مقدمتها إيران، التي ستراقب تطور هذا التكتل ومدى تأثيره على التوازنات الإقليمية.

وأضاف أن إسرائيل ستظل تراقب التحالف أيضًا، كما أن الهند ستكون حذرة في تعاملها معه، خاصة في ظل العلاقات والتوترات القائمة بينها وبين باكستان.

وأوضح أن هذه الدول ستتابع طبيعة التعاون بين الدول الثلاث، وما إذا كان التحالف سيتحول إلى إطار أمني وعسكري دائم، أم أنه سيظل مرتبطًا بالظروف والأزمات الحالية.

تحديات استمرار التحالف

وأشار الأسعد إلى أن التحالف سيواجه في الوقت نفسه عددًا من التحديات التي يمكن أن تؤثر على استمراره، مستشهدًا بالتجربة التاريخية لحلف بغداد الذي تأسس عام 1955.

وأوضح أن حلف بغداد كان برعاية بريطانية، وضَمّ في ذلك الوقت العراق وتركيا وباكستان وإيران، وكان الهدف منه مواجهة المد السوفيتي في تلك المرحلة.

وأضاف أن العراق انسحب من الحلف عام 1959 عقب ثورة 1958، ثم انسحبت إيران بعد سقوط نظام الشاه عام 1979، وهو ما أدى في النهاية إلى انتفاء الحاجة إلى استمرار الحلف بالشكل الذي تأسس عليه.

ارتباط الاستمرار باستمرار المصالح

وأكد الباحث أن استمرار التحالف الحالي يعتمد بصورة أساسية على استمرار التقاء المصالح بين الدول الثلاث، موضحًا أن لكل دولة أهدافًا ومصالح قد تتغير بمرور الوقت.

وأشار إلى أن الجانب التركي، على سبيل المثال، قد تكون لديه أهداف محددة من هذا التحالف، من بينها الضغط على دول أخرى، فإذا نجحت أنقرة في الوصول إلى تفاهمات مع هذه الدول وتحقيق أهدافها، فقد ترى أن الحاجة إلى استمرار التحالف قد تراجعت.

وقال إن هذا الأمر يعني أن ديمومة المصالح المشتركة بين الدول الثلاث ستكون العامل الأساسي الذي يمنح التحالف القدرة على الاستمرار لفترة طويلة.

ضغوط خارجية محتملة

ولفت الأسعد إلى أن التحالف قد يواجه أيضًا ضغوطًا سياسية من دول أخرى لا ترغب في استمراره، وقد تحاول هذه الدول تقديم منافع أو عروض سياسية واقتصادية للدول الأعضاء بهدف دفعها إلى الانسحاب منه.

وأوضح أن باكستان، على سبيل المثال، لديها خلافات تاريخية وأزلية مع الهند، وهو صراع مستمر منذ عقود، مشيرًا إلى أن الهند أصبحت قريبة جدًا من الجانب الإسرائيلي.

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يساند الهند، كما أن إسرائيل تصدر إلى الهند الأسلحة والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يجعل باكستان أمام تحديات أمنية وعسكرية كبيرة، وقد تتعرض في الوقت نفسه لضغوط من الولايات المتحدة.

الضغوط الأمريكية على السعودية

وأشار الباحث إلى أن الولايات المتحدة قد تمارس بدورها ضغوطًا على المملكة العربية السعودية، خصوصًا فيما يتعلق بالانخراط في الاتفاق الإبراهيمي الجديد.

وأوضح أن هذه الضغوط قد ترتبط أيضًا بالبرنامج النووي السلمي السعودي، من خلال محاولة ربط تقديم أو تسهيل بعض الترتيبات المتعلقة بالبرنامج النووي للمملكة بشروط سياسية معينة.

وأكد أن مثل هذه الشروط يمكن أن تؤثر على حسابات المملكة، خاصة إذا أصبحت مرتبطة بمسارات سياسية أو إقليمية أوسع.

تحالف تكتيكي ومرحلي

وفي تقييمه النهائي لطبيعة التحالف، قال حسين الأسعد إنه يعتقد أن هذا التحالف يمثل في الوقت الحالي تحالفًا تكتيكيًا ومرحليًا، وليس بالضرورة تحالفًا دائمًا، إلى حين الانتهاء من عدد من المشكلات والأزمات الأساسية في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن من أبرز هذه الملفات الخطر الإيراني على المملكة العربية السعودية، والوصول إلى تفاهمات بين باكستان والهند، فضلًا عن مستقبل الدور والنفوذ التركي في سوريا.

وأشار إلى أن استمرار النفوذ التركي في سوريا يرتبط أيضًا بمدى قدرة أنقرة على الوصول إلى تفاهمات مع الجانب الأمريكي بشأن طبيعة وجودها ونفوذها في الساحة السورية.

وأكد أن جميع هذه العوامل تمثل، من وجهة نظره، الغاية الرئيسية من تشكيل التحالف في هذه المرحلة، وأن استمرار هذه العوامل والمخاطر سيعني استمرار الحاجة إلى التحالف، بينما قد يؤدي انتفاء هذه العوامل أو التوصل إلى تفاهمات بشأنها إلى إعادة النظر في مستقبل التحالف ومدى استمراره.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء