زي النهارده.. فرمان 7 أغسطس يقيد صلاحيات خديوي مصر بعد عزل إسماعيل
تمر اليوم الذكرى الـ147 لصدور «فرمان 7 أغسطس» الذي أصدره السلطان العثماني عام 1879، بهدف إعادة تقييد الصلاحيات الممنوحة لخديوي مصر، وذلك بعد أقل من أسبوعين على عزل الخديوي إسماعيل وتولي نجله الخديوي توفيق الحكم خلفًا له، وجاء الفرمان في ظل مرحلة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد كانت مصر خلالها تواجه ضغوطًا متزايدة من القوى الأوروبية، خاصة بريطانيا وفرنسا، على خلفية أزمة الديون والتدخل المتصاعد في شؤون البلاد.
أزمة الديون تفتح باب التدخل الأوروبي
شهد عهد الخديوي إسماعيل توسعًا كبيرًا في المشروعات العمرانية والاقتصادية، إلى جانب اهتمامه بتحديث مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق نفوذ مصر، كما ارتبط عهده بافتتاح قناة السويس للملاحة، التي اكتسبت أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها ممرًا مائيًا يربط أوروبا بمصادر التجارة والمواد الخام في آسيا، وهو ما جعل مصر تحتل موقعًا مهمًا في الحسابات الدولية.
ومع اتساع مشروعات إسماعيل وتزايد النفقات، تراكمت الديون الخارجية على مصر، وتحولت الأزمة المالية إلى مدخل رئيسي لتدخل القوى الأوروبية في الشأن المصري، خاصة بريطانيا وفرنسا، اللتين سعتا إلى توسيع نفوذهما على القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تراقب تنامي نفوذ الخديوي وتوسّع سلطاته.
توفيق يتولى الحكم والسلطان يعيد تقييد سلطات الخديوي
بعد عزل الخديوي إسماعيل عام 1879، تولى نجله الأكبر توفيق حكم مصر، واستغل السلطان العثماني التغيير السياسي لإعادة فرض قيود على السلطات التي كان إسماعيل قد حصل عليها خلال فترة حكمه، فأصدر في 7 أغسطس 1879 فرمانًا جديدًا تضمن مجموعة من الإجراءات التي هدفت إلى الحد من صلاحيات الحاكم وتقليص قدرته على اتخاذ قرارات منفردة في عدد من الملفات المهمة.
وتضمن الفرمان ضرورة إبلاغ السلطان العثماني بنص أي معاهدة تعتزم مصر توقيعها، كما فرض قيودًا على عقد قروض جديدة، بحيث لا يتم اللجوء إليها إلا بهدف تسوية الديون وبموافقة الدائنين، إلى جانب إعادة تحديد حجم الجيش المصري خلال فترة السلم عند 18 ألف جندي، في إطار سياسة هدفت إلى إحكام الرقابة على إدارة البلاد وتقليص بعض مظاهر الاستقلال التي اكتسبتها مصر خلال عهد الخديوي إسماعيل.
بريطانيا وفرنسا ترفضان الفرمان
لم تنظر القوى الأوروبية إلى فرمان 7 أغسطس باعتباره مجرد إجراء يستهدف إعادة تنظيم العلاقة بين مصر والدولة العثمانية، إذ أثار مخاوف بريطانيا وفرنسا من أن يؤدي تقليص النفوذ الأوروبي إلى زيادة سلطة السلطان العثماني على مصر، ولذلك رفضت الدولتان تنفيذ الإجراءات التي تضمنها الفرمان، انطلاقًا من حسابات سياسية تتعلق بمصالحهما ونفوذهما في البلاد.
وجاء ذلك في وقت كانت فيه مصر تتحول تدريجيًا إلى ساحة للتنافس بين القوى الدولية، خاصة مع أهمية موقعها الجغرافي وقناة السويس، فضلًا عن ارتباط اقتصادها بالديون الخارجية، وهي عوامل جعلت مسألة تحديد صلاحيات الخديوي تتجاوز الإطار الداخلي لتصبح جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في مصر.
فرمان في قلب صراع النفوذ على مصر
ويكشف فرمان 7 أغسطس عن طبيعة المرحلة التي دخلتها مصر في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تداخلت الأوضاع المالية مع الصراع السياسي والتنافس الدولي، وأصبحت صلاحيات الخديوي وعلاقة مصر بالدولة العثمانية والقوى الأوروبية من أبرز القضايا التي شكلت المشهد السياسي في تلك الفترة.
ومع تولي الخديوي توفيق الحكم، استمرت الضغوط والتدخلات الأجنبية، وصولًا إلى تصاعد التوترات الداخلية التي مهدت لاحقًا لاندلاع الثورة العرابية عام 1881، في سياق سياسي واقتصادي واجتماعي معقد، كان من أبرز ملامحه تنامي التدخل الأوروبي وتراجع قدرة السلطة المصرية على إدارة شؤون البلاد بعيدًا عن الضغوط الخارجية.





