انتحال الصفة لم يعد حادثا فرديا بل تحول إلى ظاهرة تفرض نفسها على المجتمع
فأصبحنا نرى أشخاصا يرتدون أقنعة غيرهم ويتحدثون باسم جهات لا ينتمون إليها
ويستخدمون الهيبة الزائفة لخداع المواطن البسيط الذي يبحث عن حل سريع لمشكلته
الظاهرة بدأت صغيرة ثم توسعت مع تغير الأدوات
فبعد أن كان المحتال يكتفي بزي مقلد أو كارنيه مزور يشتريه من السوق
أصبح اليوم يمتلك صفحة على مواقع التواصل
ويصنع لنفسه سيرة وهمية مليئة بالشهادات والمناصب
ويظهر فيديوهات يتحدث بلغة رسمية ويستخدم مصطلحات قانونية وطبية
ويقنع الناس أنه صاحب منصب أو صاحب علم أو صاحب قرار
الخطر الحقيقي أن انتحال الصفة يضرب الثقة في مقتل
فالمواطن الذي تعود أن يحترم الشارة ويحترم اللقب ويحترم الزي الرسمي
يجد نفسه فجأة أمام شخص استغل هذا الاحترام
ليأخذ منه مالا أو معلومات أو توقيعا أو مستندات
ويخرج من الباب دون أن يترك أثرا ويترك الضحية تواجه العواقب وحدها
في السنوات الأخيرة رصدت المحاكم عشرات القضايا التي كشفت حجم الكارثة
منها منتحل صفة مستشار قانوني
كان يستقبل الناس في مكتب فخم في منطقة راقية
ويعدهم بإنهاء قضاياهم وتخفيف الأحكام مقابل مبالغ كبيرة
حتى اكتشف المتضررون أنه لا يحمل أي شهادة قانونية
وأنه كان يعتمد على نسخ عقود من الإنترنت
ومنها من ادعي أنه مستشار في جهة سيادية
وكان يجلس مع رجال الأعمال ويعدهم بتسهيل إجراءات وتعيينات
ويتقاضى عمولات ضخمة بحجة العلاقات والنفوذ
حتى سقط بعد بلاغ من أحد الضحايا وتبين أنه لا صلة له بأي جهة رسمية
ومنها فتاة فتحت عيادة في منطقة شعبية وتعاملت مع المرضى
وكتبت أدوية وروشتات وأجرت فحوصات بسيطة
حتى حدثت حالة وفاة كشفت أنها لا تدرس الطب من الأساس
وأنها تعلمت المصطلحات من فيديوهات على المنصات
وكانت تشتري الأدوات من محلات مستلزمات طبية
وفي مجال العقارات ظهر من قدم نفسه على أنه مهندس استشاري
وباع شققا وهمية في مشروعات غير موجودة وجمع ملايين
ثم اختفى وترك الضحايا يواجهون مصيرهم مع البنوك والمحاكم
وعلى مواقع التواصل انتشر منتحلو صفة موظف بنك
يتصلون بالعملاء ويطلبون بيانات البطاقة ورقم التحقق
بحجة تحديث الحساب أو إيقاف عملية مشبوهة
فيسحبون الأموال في دقائق ويغلقون الهواتف
كما ظهر منتحلو صفة إعلاميين
يدخلون المصالح الحكومية بالكاميرا ويهددون بنشر فضائح
حتى يبتزون الموظفين ويأخذون منهم أموالا مقابل الصمت
وسقط بعضهم بعد كمائن نصبها لهم رجال الأمن بعد بلاغات متكررة
السبب الرئيسي وراء انتشار الظاهرة هو حاجة الناس إلى من ينقذهم
فالذي لديه قضية يبحث عن من يخلصه بأي ثمن
والذي لديه مريض يبحث عن من يعالجه بسرعة
والذي لديه أزمة يبحث عن من يفتح له الباب
وهنا يدخل المحتال من هذا الفراغ ويقدم نفسه على أنه الحل
إضافة إلى ذلك سهولة تزوير الأوراق
وتوفر الأزياء والشارات في الأسواق
واستخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة صور وكارنيهات مقنعة
كل هذا جعل من السهل على أي شخص أن يلبس دورا ليس دوره
القانون المصري يعاقب على انتحال الصفة بالحبس والغرامة
وتشتد العقوبة إذا ترتب على الفعل ضرر أو استيلاء على مال أو منصب
ولكن العقوبة وحدها لا توقف الظاهرة
لأن المحتال الجديد يظهر فور سقوط القديم بأدوات أحدث وأساليب أذكى
الحل يبدأ بالوعي
على المواطن أن يسأل عن الهوية
وأن يتأكد من الترخيص
وأن يطلب رقم القيد النقابي
وأن لا يصدق أي كلام لمجرد أنه خرج من فم شخص يرتدي زيا معينا
وعلى المؤسسات أن تشدد من إجراءاتها
وأن توفر وسائل للتحقق السريع عبر تطبيق أو موقع رسمي
وأن تطلق حملات توعية مستمرة في المدارس والجامعات
كما أن للإعلام دور كبير
فكلما سلط الضوء على قضية
ارتفعت درجة الحذر عند الناس
وكلما تحدثنا عن القصص الحقيقية
قل عدد الضحايا الجدد
والصحافة مسؤولة عن كشف الأسماء والأساليب حتى لا تتكرر
انتحال الصفة جريمة ضد الفرد وضد المجتمع
لأنها تسرق الأموال وتسرق الأمان
وتسرق الثقة التي هي أساس أي مجتمع سليم
وعندما تنهار الثقة ينهار كل شيء
وفي النهاية لابد أن نتذكر قاعدة بسيطة
صاحب الحق لا يحتاج أن يكذب
وصاحب العلم لا يحتاج أن يتظاهر
وصاحب السلطة لا يحتاج أن يثبت نفسه بالصوت العالي
فإذا وجدت من يبالغ في إثبات أنه فلان
فاعلم أنه غالبا ليس هو
وإذا شككت بلغ فورا
فإبلاغك قد ينقذ أسرة كاملة من الضياع