الأهرام في مواجهة الأزمات.. من أزمة الإفلاس إلى تحديات حرية النشر| خاص
قال الكاتب الصحفي محمد الشافعي أن مؤسسة الأهرام تمثل واحدة من أهم التجارب الصحفية في التاريخ المصري والعربي، مشيرًا إلى أنها بدأت كجريدة إقليمية في مدينة الإسكندرية عام 1876، قبل أن تنتقل إلى القاهرة وتتحول تدريجيًا إلى مؤسسة صحفية كبرى ذات تأثير واسع.
وأكد محمد الشافعي في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، إن الأهرام صدرت قبل مجلة الهلال بـ16 عامًا، حيث كانت الهلال قد ظهرت عام 1892 كمجلة ثقافية في القاهرة، موضحًا أن الأهرام في بداياتها لم تكن الصحيفة الأولى في مصر، لكنها كانت من الصحف المستقرة والمهمة التي حرص القراء على اقتنائها إلى جانب عدد من الصحف الأخرى التي صدرت في ذلك الوقت.
وأضاف أن التحول الأكبر في تاريخ الأهرام جاء بعد ثورة يوليو، عندما واجهت المؤسسة عددًا من الأزمات، ما دفع أصحابها إلى الاستعانة بالكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، الذي كان وقتها من أبرز الصحفيين الشباب في مؤسسة أخبار اليوم ومجلة آخر ساعة.
وأوضح أن هيكل استطاع إحداث نقلة نوعية كبيرة في الأهرام، ونقلها من صحيفة مهمة إلى مؤسسة صحفية ذات حضور مصري وعربي ودولي، حتى أصبحت واحدة من الصحف التي يشار إليها عالميًا.
هيكل قاد الأهرام لعبور الأزمات
وأشار الشافعي إلى أن مسيرة الأهرام لم تخلُ من الأزمات، لافتًا إلى أن من أبرزها الأزمة التي كادت تؤدي إلى إفلاس المؤسسة، وكان هيكل بمثابة طوق النجاة الذي ساعدها على تجاوز هذه المرحلة، من خلال تطويرها وبناء مؤسسة صحفية قوية.
وأضاف أن هيكل لم يكتفِ بإدارة الصحيفة، وإنما أسس فريق عمل يعد من أفضل فرق العمل في تاريخ الصحافة المصرية، بداية من مدير مكتبه ومديري التحرير ورؤساء الأقسام، وصولًا إلى اكتشاف واستقطاب عدد كبير من المواهب الصحفية.
وأوضح أن هيكل كان يحرص على اكتشاف الصحفيين المتميزين في مختلف المجالات، ومن بينهم الكاتب الصحفي إبراهيم نافع الذي كان صحفيًا اقتصاديًا بارزًا قبل أن يصبح أحد أهم قيادات المؤسسة.

أزمة "أولاد حارتنا" واختبار مصداقية الأهرام
وتطرق محمد الشافعي إلى أزمة نشر رواية "أولاد حارتنا" للأديب العالمي نجيب محفوظ في صفحات الأهرام، موضحًا أنها كانت من أصعب الأزمات التي واجهت المؤسسة، بعدما أثارت الرواية اعتراضات من بعض علماء الأزهر الذين رأوا أنها تتناول قضايا دينية حساسة.
وقال إن الأهرام وجدت نفسها أمام معادلة صعبة؛ فإيقاف نشر الرواية كان سيضع مصداقيتها على المحك، بينما الاستمرار في نشرها كان يمثل تحديًا في مواجهة الاعتراضات.
وأوضح أن الرئيس جمال عبد الناصر تدخل لحل الأزمة، حيث تواصل مع محمد حسنين هيكل، وطُلب نشر الرواية بشكل يومي بدلًا من النشر الأسبوعي، حتى انتهى نشرها خلال فترة قصيرة، وبذلك تم تجاوز الأزمة دون الإضرار بمكانة الأهرام.
وأشار إلى أن الرواية لم تُطبع في مصر في البداية، وإنما صدرت أولًا في بيروت، ثم أعيد نشرها لاحقًا في عدد من الإصدارات والملاحق الصحفية.
الأهرام المؤسسة التي صنعت واستثمرت نجوم الصحافة
وأكد الشافعي أن أحد أسرار قوة الأهرام كان اعتمادها على استقطاب كبار الكتاب والمبدعين، مشيرًا إلى أنها كانت المؤسسة التي تستثمر نجوم المهنة وتجمع أفضل الكفاءات الصحفية.
وقال إن الأهرام استطاعت استقطاب أسماء كبيرة مثل الدكتور يونان لبيب رزق، والدكتور علي الراعي، والكاتب رجاء النقاش، وغيرهم من كبار الكتاب الذين شكلوا جزءًا من تاريخها.
وأضاف أن لديه رؤية خاصة مفادها أن هناك مؤسسات صحفية تصنع النجوم، وأخرى تعصف بهم، بينما كانت الأهرام مختلفة لأنها كانت تستثمر نجوم الصحافة وتحافظ عليهم.
وأوضح أن روزاليوسف وأخبار اليوم كانتا من المؤسسات التي ساهمت في صناعة عدد من النجوم الصحفيين، بينما كانت دار الهلال ودار التحرير نماذج لمؤسسات فقدت بعض هذه الكفاءات، أما الأهرام فتميزت بقدرتها على جذب كبار الصحفيين والكتاب.
مرحلة ما بعد هيكل والأزمات الجديدة
وأشار الشافعي إلى أن الأهرام بعد مرحلة هيكل استكملت بناءها المؤسسي خلال فترة الكاتب الصحفي إبراهيم نافع، الذي ساهم في توسعة المؤسسة وتعزيز قوتها الاقتصادية، مؤكدًا أن الأهرام كانت من أكثر المؤسسات الصحفية استقرارًا من الناحية المالية.
وأوضح أن الأزمات التي واجهت الأهرام لم تكن دائمًا أزمات اقتصادية، وإنما ارتبط بعضها بقضايا النشر والحرية، عندما كانت تنشر مقالات أو أعمالًا أثارت جدلًا واسعًا.
وضرب مثالًا بأزمة مقالات الكاتب توفيق الحكيم التي حملت عنوان "حوار مع الله"، والتي أثارت اعتراضات من الشيخ محمد متولي الشعراوي وعدد من علماء الأزهر، ما دفع الحكيم إلى تغيير عنوانها لاحقًا إلى "إلى الله".
وأكد أن الأهرام واجهت كذلك أزمات مرتبطة بالمناخ الصحفي العام وتراجع سقف الحريات خلال السنوات الماضية، إضافة إلى التحديات التي تواجه مهنة الصحافة بشكل عام.
واختتم محمد الشافعي تصريحاته بالتأكيد على أن الأهرام تظل تجربة صحفية فريدة، استطاعت على مدار تاريخها أن تجمع بين المهنية وصناعة النجوم وبناء مؤسسة تمتلك تأثيرًا كبيرًا في الصحافة المصرية والعربية.





