بين كبرياء الفن ومواجهة تقلبات الحياة|كواليس الأيام الأخيرة لفتحية طنطاوي
تحلّ اليوم ذكرى رحيل الفنانة القديرة فتحية طنطاوي لتسلط الضوء من جديد على مسيرة حافلة بالعطاء الفني والبصمات الصادقة التي حُفرت عميقًا في وجدان الجمهور. لم تعتمد فتحية طنطاوي طوال مشوارها على المظاهر البرّاقة، بل اتخذت من صدق الأداء وبساطة التعبير جسرًا عبرت به إلى قلوب المشاهدين، لتغدو ركنًا أصيلاً في صرح الدراما والسينما المصرية وصورة حية للمرأة والأم العربية بكافة أبعادها الإنسانية.
درست الموسيقى بدار المعلمات، وعملت مدرسة للموسيقى في المنصورة بعد هجرة أسرتها من السويس عقب حرب 1967.ثم انتقلت للقاهرة والتحقت بـ المعهد العالي للفنون المسرحية لصقل موهبتها بالدراسة،حيث خطت خطواتها الأولى عبر عروض هيئة قصور الثقافة، ثم المسرح القومي ومسرح الطليعة . حيث بدأت الفنانة القديرة فتحية طنطاوي مشوارها الفني من دار المعلمات بالدراسة الموسيقية، ثم انطلقت كممثلة محترفة مطلع ستينيات القرن العشرين من خشبة مسرح الدولة
محطة المسرح ..لانطلاقة وصناعة النجومية
تعد مسرحية انتهى الدرس يا غبي (1975) من أهم محطتها المسرحية، حيث جسدت شخصية "سنية" الفتاة البسيطة أمام محمد صبحي ومحمود المليجي، وهي المسرحية التي حققت لها شهرة جماهيرية واسعة. كما شاركت في عروض مسرحية هادفة منها مسرحية الملك لير ومسرحية شروق الإسلام
كما نجحت في تجسيد أدوار المرأة المصرية البسيطة، الصابرة، والخدومة في أضخم الإنتاجات الدرامية . و رغم قلة أعمالها السينمائية مقارنة بالتلفزيون، إلا أنها تركت بصمات في أفلام صُنفت ضمن كلاسيكيات السينما المصرية مثل الطوق والأسورة 1986للمخرج خيري بشارة، وقدمت فيه أداءً واقعياً يعكس بيئة الصعيد.،وفيلم اضحك الصورة تطلع حلوة 1998 حيث شاركت مع الفنان أحمد زكي والمخرج شريف عرفة، وفيلم ديل السمكة 2003من تأليف وحيد حامد، وجسدت فيه دوراً إنسانياً مؤثراً.
حياتها الشخصية
تزوجت الفنانة القديرة فتحية طنطاوي عام 1972 من الموسيقار والملحن المصري علي سعد، وعاشا معاً قصة كفاح طويلة ورحلة زوجية مستقرة ومليئة بالدعم الإبداعي استمرت قرابة 50 عاماً حتى وفاتها ، حيث شكّل الزوجان ثنائياً فنياً متناغماً؛ فبينما كانت هي تبدع في تجسيد أدوار المرأة المصرية الأصيلة على الشاشة، كان زوجها يضع بصمته الموسيقية بمؤلفاته وتلحينه للموسيقى التصويرية لعدة مسلسلات شهيرة مثل الحفار وأوراق مصرية أثمر عن هذا الزواج الناجح عن أربعة أبناء نشأوا في بيئة ثقافية وموسيقية راقية، أبرزهم الدكتورة أماني سعد وكيل المعهد العالي للكونسرفتوار والملحن محمد سعد وفي سنواتها الأخيرة، وعندما قلّت الأدوار الفنية المعروضة عليها، واجهت فتحية طنطاوي تقلبات الحياة بشجاعة وكبرياء بدعم من أسرتها، حيث استثمرت مدخراتها في مشروع لتربية الدواجن لتأمين دخل عائلتها والحفاظ على كرامتها الفنية والمادية حتى اللحظات الأخيرة من حياتها
شهامة إنسانية: موقفها النبيل مع الكاتب وليد يوسف
كشف السيناريست وليد يوسف عقب رحيل الفنانة فتحية طنطاوي عن موقف إنساني مؤثر جمعه بها عام 2006 يعكس نبل أخلاقها وأمومتها الطاغية. فخلال مروره بضائقة مادية شديدة في بداياته الفنية، تواجَد مع أطفاله في نادي نقابة المهن التمثيلية، ولم يكن يملك ما يكفي لابتياع الطعام لهم بعد أن نال منهم الجوع لاحظت "ماما فتحية" الموقف بذكاء وهدوء دون أن تُحرج كرامته، فنادته مدعيةً أنها تريد إخباره بـ "كلمة سر"، وقامت دون أن يلمحها أحد بوضع مبلغ مالي في يده قائلة بلهجة الأمومة "خد أكل الولاد ولما تشتَغل ابقى ردهم"؛ وهو الموقف النبيل الذي أنقذ كرامته أمام أطفاله وظل محفوراً في ذاكرته كدينِ وفاءٍ لها طوال حياته
محطة الختام والتكريم
يعتبر مسلسل أبو جبل 2019 بمثابة المحطة التلفزيونية الأخيرة والظهور الفني الأخير لها قبل وفاتها، والجدير بالذكر انه تم تكريمها من مهرجان المسرح القومي (2021) في الدورة الرابعة عشرة لـ المهرجان القومي للمسرح المصري بعد وفاتها بأيام قليلة، وتسلم الدرع زوجها الملحن علي سعد تقديراً لرحلتها الحافلة.
رحلت الفنانة القديرة فتحية طنطاوي عن عالمنا في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 4 أغسطس 2021 عن عمر يناهز 77 عاماً، وذلك إثر تعرضها لأزمة صحية مفاجئة وغير متوقعة فقد أصيبت بجلطة حادة في القلب نُقلت على إثرها سريعاً إلى أحد مستشفيات مدينة السادس من أكتوبر، حيث تدهورت حالتها الصحية ودخلت في غيبوبة تامة بعد توقف قلبها عن النبض لمدة 13 دقيقة كاملة. ورغم نجاح الأطباء في إنعاش قلبها مؤقتاً، إلا أنها فارقت الحياة داخل غرفة العناية المركزة وشُيع جثمانها في ظهر نفس اليوم بحضور أسرتها ومحبيها ليوراى الثرى في مقابر عائلتها، تاركةً خلفها حزناً كبيراً في الوسط الفني ونعياً مؤثراً من ابنها الملحن محمد سعد الذي ودعها قائلاً: "رحلت مَن كنتُ أُكرَم بسببها.

