رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الهلع إلى الدراما|مشاهد لا تُنسى لزلزال 92 في ذاكرة السينما والتليفزيون

إيجبتكِ

لم يكن زلزال عام 1992 مجرد حادثة طبيعية عابرة في تاريخ مصر، بل مثّل صدمة جماعية تركت أثرًا عميقًا في الوعي الشعبي، وهو ما انعكس بوضوح في الأعمال الفنية التي تعاملت معه كحدث مفصلي، سواء بشكل مباشر أو من خلال توظيف تداعياته الاجتماعية والنفسية. وبين التوثيق والرمزية، نجح صناع الدراما والسينما في تحويل الكارثة إلى مادة إنسانية ثرية امتدت آثارها لسنوات.

الدراما التلفزيونية.. توثيق اللحظة ورصد ما بعدها

حظيت الدراما التلفزيونية بالنصيب الأكبر في تناول الزلزال، حيث جاءت المعالجات متنوعة بين الرصد المباشر للكارثة واستلهام آثارها على المجتمع.

ويُعد مسلسل زلزال (2019) العمل الأبرز الذي حمل اسم الحدث صراحة، إذ شكّل الزلزال نقطة الانطلاق لمسار البطل بعد انهيار منزله ووفاة والده، لتبدأ رحلة صراع طويلة لاستعادة حقه، في معالجة درامية تعتمد على فكرة الفقد وبناء الذات من جديد.

في سياق مختلف، قدّم مسلسل ذات (2013) معالجة توثيقية ضمن إطار تاريخي، حيث جسّد لحظة وقوع الزلزال داخل البيوت المصرية، عاكسًا حالة الذعر الجماعي بشكل واقعي ومؤثر.

أما مسلسل من الذي لا يحب فاطمة (1996) فقد اعتمد على الكارثة كنقطة تحول درامية حاسمة، حيث يفقد البطل زوجته ومنزله، ما يدفعه إلى الهجرة وبدء حياة جديدة خارج البلاد، في طرح يجمع بين المأساة الإنسانية والتحول الاجتماعي.

وقدمت أعمال أخرى قراءة لتداعيات الزلزال، مثل الناس الطيبين (1995) الذي ركز على التأثيرات النفسية والاجتماعية التي أعقبت الكارثة، بينما استلهم بوابات الرعب (1994) قصصًا حقيقية من ضحايا علقوا تحت الأنقاض، مستندًا إلى وقائع هزت الرأي العام في ذلك الوقت.

كما ظهرت مشاهد الزلزال في ذئاب الجبل (1993) ضمن سياق الأحداث، في محاولة لمواكبة الواقع الذي عاشه المجتمع، وإبراز حالة التكاتف الشعبي التي أعقبت الكارثة.

السينما.. بين الرمز والواقع الاجتماعي

في السينما، لم يكن حضور الزلزال دائمًا مباشرًا، بل اتخذ في كثير من الأحيان بعدًا رمزيًا يعكس أزمات أعمق داخل المجتمع.

ويبرز فيلم النوم في العسل (1996) كأحد أهم الأعمال التي استخدمت الزلزال كرمز درامي، حيث جاء المشهد الشهير لهروب المواطنين إلى الشوارع ليعكس حالة الاستيقاظ الجماعي من حالة خمول مجتمعي، في معالجة تحمل دلالات سياسية واجتماعية.

أما فيلم إرهاب وكباب (1992) فقد تطرق بشكل عابر إلى أجواء القلق والخوف التي صاحبت الكارثة، في سياق كوميدي ساخر يعكس البيروقراطية وأزمات المواطن اليومية.

ويُعد فيلم كراكون في الشارع (1986) نموذجًا استشرافيًا، إذ ناقش أزمة السكن وانهيار المباني قبل سنوات من وقوع الزلزال، وهي القضية التي برزت بقوة بعد الكارثة، ما جعل العمل يُقرأ لاحقًا باعتباره تنبؤًا مبكرًا بواقع عمراني هش.

كما يمكن رصد حضور غير مباشر للزلزال في عدد من أفلام التسعينيات التي تناولت العشوائيات وأزمات البناء، حيث عكست هذه الأعمال بيئة اجتماعية متأثرة بتداعيات الكارثة دون الإشارة إليها بشكل صريح.

الأعمال الوثائقية.. استعادة الذاكرة بعد عقود

مع مرور الوقت، عاد الزلزال إلى الواجهة من خلال الأعمال الوثائقية التي سعت إلى إعادة قراءة الحدث من منظور إنساني وتاريخي.

ومن أبرز هذه الأعمال فيلم زلزال مصر 1992.. الكارثة بعيون من عايشوها (2023)، الذي اعتمد على شهادات حية للناجين، موثقًا التحولات التي طرأت على حياتهم بعد سنوات طويلة، إلى جانب رصد ظروف الإيواء والمعاناة التي واجهها المتضررون.

كما قدمت بعض القنوات التلفزيونية تقارير وبرامج خاصة أعادت استخدام المواد الأرشيفية، في محاولة لإحياء الذاكرة الجماعية وربط الماضي بالحاضر.

بين التوثيق والرمزية.. حضور مستمر في الوجدان

تكشف هذه الأعمال أن الزلزال لم يكن مجرد خلفية زمنية للأحداث، بل تحوّل إلى عنصر درامي مؤثر استخدمه صناع الفن للتعبير عن الهشاشة الإنسانية، وأزمات المجتمع، وأحيانًا كرمز للانهيار أو التغيير.  فإن حضوره ظل ممتدًا في عدد كبير من الأعمال التي عكست نتائجه، خاصة ما يتعلق بأزمات السكن والعشوائيات والتحولات الاجتماعية.

وبين التناول الواقعي والطرح الرمزي، نجح الفن المصري في تخليد هذه اللحظة التاريخية، مقدمًا صورة إنسانية متعددة الأبعاد لكارثة ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء