كواليس تراجع ترامب عن ضرب إيران في اللحظات الأخيرة.. الوسطاء على الخط
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من الترقب، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق خطط شن هجوم جديد على إيران، مفضلًا منح المسار الدبلوماسي فرصة للتوصل إلى اتفاق سريع يحد من البرنامج النووي الإيراني ويعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
وبحسب تقرير لوكالة «رويترز»، أعلن ترامب في الأول من أغسطس أن الولايات المتحدة ستوقف خطط الهجوم الجديد على إيران، بعدما أشار إلى وجود طلب من إيران ودول أخرى في الشرق الأوسط لمنح الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق.
وربط الرئيس الأمريكي استمرار التهدئة بإحراز تقدم سريع في ملف الاتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما أشار إلى أن واشنطن لا تزال مستعدة للتحرك عسكريًا إذا فشلت المفاوضات.
وسطاء المنطقة يدخلون على خط الأزمة

لم يكن المسار الدبلوماسي وليد الساعات الأخيرة، إذ تحركت خلال الأشهر الماضية شبكة من الوسطاء الإقليميين في محاولة لمنع عودة المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى حرب مفتوحة.
وتبرز قطر وباكستان في مقدمة الأطراف التي دعمت مسار الوساطة، فيما لعبت تركيا ودول خليجية أدوارًا في الاتصالات الهادفة إلى احتواء التصعيد ودفع واشنطن وطهران نحو التفاوض.
وأكدت وزارة الخارجية القطرية في وقت سابق أن الدوحة شاركت في دعم مسار الوساطة الذي قادته باكستان، وأن اتصالات جرت مع دول مختلفة في المنطقة بهدف تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران وإنهاء الأزمة. كما أعلنت قطر استعدادها للمشاركة في ترتيبات التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران.
وفي مايو الماضي، أعلنت الدوحة دعمها الكامل للجهود الباكستانية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق يمنع العودة إلى التصعيد، مشيرة إلى أن أمير قطر ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري ومسؤولين آخرين واصلوا اتصالات مكثفة مع أطراف إقليمية ودولية بهدف الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهات وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
كما أعلنت قطر وتركيا في مايو دعمهما للوساطة التي تقودها باكستان، وحذرتا من استئناف العمليات العسكرية، مؤكدتين أن تجدد الحرب ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن العالمي والاقتصاد، في وقت تحول فيه مضيق هرمز إلى إحدى أهم أوراق الضغط في الصراع.
لماذا تراجع ترامب عن الضربة؟
تقدم تصريحات ترامب الأخيرة مؤشرًا على أن الحسابات العسكرية لم تكن العامل الوحيد في القرار الأمريكي، إذ أقر الرئيس بأن إيران ودولًا أخرى في المنطقة طلبت من واشنطن عدم تنفيذ هجوم جديد، بالتزامن مع وجود مسار تفاوضي يمكن أن يحقق الهدفين اللذين تضعهما الإدارة الأمريكية في مقدمة أولوياتها: الحد من البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز.
وتشير «رويترز» إلى أن الرئيس الأمريكي أوقف الهجوم الجديد على أمل التوصل سريعًا إلى اتفاق، بينما يواصل مفاوضون أمريكيون، من بينهم جاريد كوشنر ووزير الخارجية ماركو روبيو، العمل على صيغة تفاهم مع طهران.
ويعكس ذلك تحولًا من محاولة تحقيق الأهداف الأمريكية بالضغط العسكري المباشر إلى استخدام التهديد العسكري كأداة ضغط على طاولة المفاوضات، مع إبقاء خيار الضربات حاضرًا في حال فشل المسار الدبلوماسي.
قطر وباكستان.. من الوساطة إلى آلية تفاوض
ولم تقتصر الوساطة على اتصالات سياسية منفصلة، بل تطورت إلى آليات تفاوضية أكثر تنظيمًا ففي يونيو، أعلنت قطر أن ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب قطر وباكستان، شاركوا في محادثات رفيعة المستوى ضمن إطار مذكرة التفاهم، مع الاتفاق على إنشاء لجنة عليا للإشراف السياسي على مسار الوساطة، وتشكيل مجموعات عمل متخصصة للملف النووي والعقوبات وآليات المراقبة وتسوية النزاعات.
كما أعلنت قطر في وقت سابق إطلاق قمة بحيرة لوسيرن، بمشاركة الولايات المتحدة وإيران والدولتين الوسيطتين قطر وباكستان، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ودائم يعالج الملفات التي تتضمنها مذكرة التفاهم.
وبذلك، أصبح دور الوسطاء يتجاوز نقل الرسائل بين واشنطن وطهران إلى محاولة بناء آليات تضمن تنفيذ أي اتفاق جديد ومراقبة الالتزامات المتبادلة، وهي نقطة شديدة الحساسية بعد انهيار تفاهمات سابقة نتيجة الخلاف على تفسير بنودها.
مضيق هرمز.. العقدة الأصعب
إذا كان الملف النووي يمثل جوهر الخلاف السياسي، فإن مضيق هرمز أصبح العقدة الأكثر تعقيدًا على الأرض.
فالممر البحري الاستراتيجي، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خمس صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبره قضية تتجاوز حدود الصراع الأمريكي الإيراني إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وكانت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية قد نصت على ترتيبات تضمن مرور السفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يومًا، لكن مستقبل هذه الترتيبات بعد انتهاء الفترة المحددة ظل محل خلاف بين الطرفين.
وأوضحت تقارير أن طهران تعتبر أن حرية المرور المجانية المنصوص عليها في الاتفاق مؤقتة، إذ أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني والمفاوض الرئيسي محمد باقر قاليباف أن المرور المجاني عبر المضيق يقتصر على 60 يومًا، وأن إيران لن تتخلى عن حقوقها في المضيق.
إيران تريد دورًا في إدارة المضيق
ولا يتوقف الخلاف عند مسألة فتح المضيق من عدمه، بل يمتد إلى السؤال الأكثر تعقيدًا: **من يملك حق إدارة حركة الملاحة وتحديد قواعد المرور بعد انتهاء الفترة الانتقالية؟**
ووفقًا لما أوردته «رويترز» في 28 يوليو، قدمت سلطنة عُمان خطة مدعومة خليجيًا لإدارة الوضع في مضيق هرمز، تقوم على رسوم طوعية تدفعها السفن مقابل خدمات مرتبطة بالملاحة والسلامة، في محاولة لإيجاد صيغة تضمن استمرار حركة التجارة دون تحويل المضيق إلى ورقة صراع دائمة.
وتشير التقارير إلى أن إيران طرحت بدورها ترتيبات تقوم على مشاركة أكبر في إدارة المضيق وتحصيل رسوم مرتبطة بالخدمات، بينما ترفض الولايات المتحدة فرض رسوم أو تحويل المضيق إلى ممر تتحكم فيه دولة واحدة، وتصر على استمرار حرية الملاحة فيه باعتباره ممرًا مائيًا دوليًا.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أكد في يوليو أن بلاده تعتبر نفسها «حارسًا» للمضيق، في تصريحات عكست تمسك طهران بدور أساسي في إدارة حركة المرور البحري، بينما يبقى الجانب الأمريكي رافضًا لأي ترتيبات تمنح إيران سيطرة منفردة على الممر.
لماذا أصبحت عُمان مفتاح الحل؟
تكتسب سلطنة عُمان أهمية خاصة في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي المقابل للساحل الإيراني، وإنما أيضًا بسبب خبرتها الطويلة في الوساطة بين طهران وواشنطن.
وفي يوليو، أرسلت مسقط وفدًا إلى طهران لبحث آليات تنظيم حركة الملاحة في المضيق، في وقت أصبح فيه مستقبل الممر البحري محورًا أساسيًا في محاولات استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
كما طرحت عُمان تصورًا لإدارة الممر وتأمين حركة السفن، فيما أكدت أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تتوافق مع القانون الدولي وألا تقوم على فرض رسوم عبور بالمعنى التقليدي.
وهنا تتقاطع مصالح عدة أطراف: إيران تريد ضمان الاعتراف بدورها وحقوقها في المضيق، وعُمان تسعى إلى ترتيبات عملية تضمن سلامة الملاحة، بينما تريد الولايات المتحدة إعادة فتح الممر دون أن يتحول إلى أداة ضغط إيرانية أو نظام رسوم تفرضه طهران.
السعودية وتركيا وقطر.. منع اتساع الحرب
لم تكن المخاوف من تجدد الحرب مقتصرة على واشنطن وطهران، إذ تخشى دول الخليج أن يؤدي أي هجوم أمريكي واسع إلى توسيع نطاق المواجهة واستهداف منشآتها النفطية وموانئها وقواعدها، فضلًا عن التأثير المباشر في حركة التجارة وأسواق الطاقة.
ولهذا تحركت دول المنطقة باتجاه دعم المسار الدبلوماسي، فيما أظهرت قطر وتركيا بصورة خاصة دعمًا واضحًا للوساطة الباكستانية، بينما شاركت السعودية ودول أخرى في اتصالات مكثفة هدفت إلى تجنب تصعيد جديد.
وأشارت «فاينانشيال تايمز» إلى أن دولًا خليجية، من بينها قطر والسعودية والإمارات، طلبت عدم تصعيد المواجهة، وأن هذه المخاوف الإقليمية جاءت بالتزامن مع جهود لإعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق مع إيران.
48 ساعة أم فرصة أطول للدبلوماسية؟
رغم تداول توصيف «استراحة لمدة 48 ساعة» في سياق التطورات الأخيرة، فإن المصادر الموثوقة التي راجعتها لا تثبت حتى الآن وجود اتفاق رسمي معلن يحدد هدنة أو «استراحة مقاتل» بهذه المدة تحديدًا.
الأدق هو القول إن واشنطن دخلت فترة اختبار دبلوماسي قصيرة ومفتوحة على التصعيد، بعدما قرر ترامب تعليق الهجوم الجديد مؤقتًا لإعطاء فرصة للمفاوضات.
وهذا التمييز مهم؛ لأن ترامب لم يعلن التخلي عن الخيار العسكري، وإنما ربط التراجع عن الهجوم بإمكانية التوصل إلى اتفاق سريع. وبالتالي، فإن ما جرى لا يمثل نهاية للمواجهة، وإنما محاولة لمنح الوسطاء والمفاوضين فرصة لإيجاد صيغة تمنع عودة الغارات.
هل تنجح الوساطة هذه المرة؟
تبدو المهمة الأصعب أمام الوسطاء في جمع ثلاثة مسارات داخل اتفاق واحد: الملف النووي الإيراني، والضمانات الأمنية المتبادلة، ومستقبل مضيق هرمز.
وقد أثبتت التجربة أن التوصل إلى اتفاق مؤقت أسهل من الاتفاق على آلية دائمة؛ فمذكرة التفاهم السابقة حددت فترة 60 يومًا للمرور التجاري دون رسوم، لكنها تركت أسئلة جوهرية بشأن مستقبل إدارة المضيق وآليات الملاحة بعد انتهاء الفترة الانتقالية.
ومن هنا تبدو الوساطة القطرية والباكستانية والتركية والسعودية، إلى جانب الدور العُماني المباشر في ملف هرمز، أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل التراجع الأمريكي عن الضربة من مجرد تأجيل عسكري إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار؟
وفي الوقت الحالي، يبدو أن مضيق هرمز هو مفتاح هذه المعادلة؛ فإذا أمكن التوصل إلى صيغة تضمن حرية الملاحة وتحفظ في الوقت نفسه مصالح إيران وعُمان ودول الخليج، فقد يصبح الطريق أكثر انفتاحًا أمام استئناف المفاوضات. أما إذا بقي الخلاف حول إدارة المضيق وحقوق المرور دون حل، فإن خطر عودة التصعيد العسكري سيظل قائمًا، حتى مع نجاح الوسطاء في تأجيل الضربة الأخيرة.





