علي جمعة: الزهد ليس فقرًا ولا مظهرًا ولكن تحرر القلوب من التعلق بالدنيا
أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الزهد في الإسلام ليس دعوى تُقال، ولا مظهرًا يتخذه الإنسان، وإنما هو حال يستقر في القلب، ويظهر أثره في علاقة الإنسان بالدنيا، موضحًا أن حقيقة الزهد تتمثل في ألا يملك متاع الدنيا قلب الإنسان، وإن كان بين يديه.
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء، في منشور على فيس بوك، أن سيدنا رسول الله هو أكمل من جسّد معنى الزهد في حياته؛ إذ كانت الدنيا تأتيه فلا تستقر في قلبه، وكان قادرًا على التوسع في متاعها، لكنه كان يأخذ منها ما يبلغه، وينفق ما زاد في وجوه الخير.
واستشهد الدكتور علي جمعة بحديث النبي لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، مبينًا أن الغريب لا يتعلق بالمكان تعلق المقيم، وعابر السبيل يأخذ من الزاد بقدر ما يوصله إلى غايته، وكذلك المؤمن يعلم أن الدنيا مرحلة وليست نهاية، فيأخذ منها ما يعينه على طاعة الله، دون أن تشغله عن الآخرة.
زهد النبي في الدنيا
وأشار إلى أن النبي لم يكتفِ بالأمر بالزهد، بل عاشه واقعًا في سيرته، مستشهدًا بما روته السيدة عائشة رضي الله عنها عن بساطة عيشه، وأنه كان يمر شهران تُرى خلالهما ثلاثة أهلة دون أن توقد نار في بيوت النبي، وأن طعامهم كان التمر والماء، كما وصفت فراشه وملبسه اللذين يدلان على زهده مع قدرته على التوسع في متاع الدنيا.
وأضاف أن زهد النبي لم يكن عن عجز أو فقر، فقد كانت الأموال تأتيه، وكان بين أصحابه من كبار الأغنياء، لكنه كان ينفق ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا يتعلق قلبه بما في يده، فكان قدوة عملية في الزهد الحقيقي.
وأكد عضو هيئة كبار العلماء أن الزهد لا يرتبط بالغنى أو الفقر، فقد يكون الإنسان غنيًا زاهدًا، كما كان سيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، إذ كانت الدنيا في أيديهما ولم تكن في قلبيهما، بينما قد يكون الفقير شديد التعلق بالدنيا.
وبيّن الدكتور علي جمعة أن الإمام الغزالي قسم الزهد إلى ثلاث درجات؛ الأولى أن يجاهد الإنسان نفسه ويترك التعلق بالدنيا رغم ميله إليها، والثانية أن يتركها دون مشقة لكنه يرى لنفسه فضلًا في ذلك، أما الثالثة، وهي أعلى الدرجات، فهي أن يزهد الإنسان في الدنيا ثم يزهد في زهده، فلا يرى لنفسه مقامًا، ولا يتعالى على الناس، وإنما يعلم أن الفضل كله لله.
واختتم الدكتور علي جمعة بالتأكيد على أن الزهد ليس تركًا للعمل، ولا فقرًا مصطنعًا، ولا مظهرًا يتزين به الإنسان، وإنما هو حرية القلب من التعلق بما سوى الله، مشيرًا إلى أن أعلى مراتب الزهد أن يترك الإنسان التعلق بالدنيا، ثم لا يرى لنفسه فضلًا بسبب تركها.



