رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى معركة أبي قير البحرية.. كيف غير نلسون مصير حملة نابليون على مصر؟

إيجبتكِ

في مثل هذا اليوم، 2 أغسطس، تستعيد الذاكرة واحدة من أبرز المعارك البحرية في التاريخ الحديث، وهي معركة أبي قير البحرية التي دارت عام 1798 بين الأسطول البريطاني بقيادة الأدميرال هوراشيو نلسون والأسطول الفرنسي بقيادة الأميرال فرانسوا بول برويز، بعد أسابيع قليلة من وصول الحملة الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت.

وتعد المعركة نقطة تحول حاسمة في تاريخ الحملة الفرنسية، إذ لم تقتصر نتائجها على خسارة بحرية كبيرة لفرنسا، بل امتدت لتؤثر في مشروع نابليون الشرقي بأكمله، وتعيد رسم موازين القوى في البحر المتوسط خلال تلك المرحلة المضطربة من الصراع الأوروبي. 

واستندت كتب ومراجع تاريخية عدة، من بينها "كلمات نابليون" لإبراهيم رمزي، و"نابليون بونابارت في مصر" لأحمد حافظ عوض، و"موسوعة رشيد: التاريخ والاستحكامات الحربية"، إلى وصف هذه الواقعة بوصفها من المعارك الفاصلة التي كان لها أثر بالغ في مجريات التاريخ الحديث.

من حملة على مصر إلى مواجهة في البحر المتوسط

عندما أبحر نابليون إلى مصر في صيف 1798 كان يحمل مشروعًا يتجاوز احتلال البلاد، إذ كان يطمح إلى تهديد المصالح البريطانية في الهند عبر السيطرة على طرق التجارة في الشرق.

 وبعد نجاحه في إنزال قواته على السواحل المصرية وتحقيق انتصار سريع على المماليك في معركة الأهرام، بدا أن الحملة الفرنسية قد حققت بداية واعدة.

غير أن بريطانيا كانت تتابع التحركات الفرنسية عن كثب، وأصدرت أوامرها إلى الأدميرال هوراشيو نلسون بمطاردة الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط. 

وبحسب الروايات التاريخية، وصل نلسون إلى الإسكندرية قبل وصول الحملة بأيام قليلة، لكنه لم يعثر عليها، فواصل البحث حتى تمكن أخيرًا من اكتشاف مواقع السفن الفرنسية الراسية في خليج أبي قير شرقي الإسكندرية.

لماذا اختار الفرنسيون خليج أبي قير؟

رست السفن الفرنسية في خليج أبي قير بعد إنزال الجنود والمؤن، وكان قادتها يعتقدون أن موقع الخليج يوفر حماية طبيعية ضد أي هجوم بحري مباشر، إلا أن هذا التقدير أثبت لاحقًا أنه خطأ استراتيجي كبير.

فقد اصطف الأسطول الفرنسي في خط طويل قريب من الساحل، ما ترك فجوات استغلها نلسون بمهارة، وبدلًا من مهاجمة السفن من جهة البحر المفتوح فقط، دفع بعض سفنه بين الأسطول الفرنسي والشاطئ، فوجد الفرنسيون أنفسهم يتعرضون لنيران متقاطعة من الجانبين.

معركة استمرت حتى الليل

بدأ الهجوم البريطاني مساء 1 أغسطس 1798 واستمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وتصف المصادر المعركة بأنها كانت عنيفة للغاية، إذ اقتربت السفن من بعضها إلى حد الاشتباك المباشر، وتبادل الطرفان قصفًا مدفعيًا كثيفًا.

وركز نلسون نيرانه على السفن الرئيسية الفرنسية، وكانت الضربة الأشد عندما انفجرت السفينة "لوريان"، وهي سفينة القيادة الفرنسية التي كان يوجد عليها الأميرال برويز، فاهتز الخليج بأكمله تحت تأثير الانفجار الهائل.

وانتهت المعركة بتحطيم معظم السفن الفرنسية أو أسرها، بينما تمكنت قلة قليلة فقط من الفرار، لتتحول أبي قير إلى انتصار بحري ساحق لبريطانيا.

ما الذي قالته كتب التاريخ عن نتائج المعركة؟

يرى إبراهيم رمزي في كتابه "كلمات نابليون" أن هزيمة الأسطول الفرنسي في أبي قير كانت السبب المباشر في انقطاع آمال نابليون في مناهضة النفوذ البريطاني في الشرق، إذ أصبح جيشه معزولًا في مصر بلا حماية بحرية فعالة.

أما أحمد حافظ عوض في كتابه "نابليون بونابارت في مصر" فيذهب إلى أن معركة أبي قير كانت من المعارك الفاصلة في تاريخ الجنس البشري، لأن نتائجها لم تؤثر في الحملة الفرنسية وحدها، بل في مستقبل نابليون السياسي والعسكري كله، ويؤكد أن بقاء قوة بحرية فرنسية قادرة على منافسة بريطانيا في المتوسط كان من شأنه أن يغير مسار الأحداث في الشرق وربما في أوروبا أيضًا.

محمد كريم والإنجليز

تورد "موسوعة رشيد" رواية لافتة تتعلق بالأيام السابقة للمعركة، إذ تشير إلى أن نلسون أرسل بعثة صغيرة إلى محمد كريم، حاكم الإسكندرية آنذاك، ليبلغه بأن الأسطول البريطاني جاء لمراقبة الفرنسيين وربما لمساعدة المدينة إذا تعرضت لهجوم.

لكن محمد كريم شك في نيات الإنجليز، واعتبر الأمر محاولة لاحتلال الإسكندرية تحت ستار الحماية، فرفض التعاون معهم، وبعد ذلك اضطر الأسطول البريطاني إلى البقاء في عرض البحر حتى تمكن من العثور على الأسطول الفرنسي ومهاجمته في أبي قير.

كيف أثرت الهزيمة في نابليون؟

بعد خسارة الأسطول وجد نابليون نفسه منقطعًا عن فرنسا، ولم يعد قادرًا على تلقي الإمدادات أو التعزيزات بسهولة، لذلك حاول تعويض الموقف بالتوسع شمالًا نحو بلاد الشام، فقاد حملته إلى عكا، لكنه فشل في اقتحامها، وهو ما اعتبره كثير من المؤرخين بداية تراجع مشروعه الشرقي، وفي نهاية المطاف عاد نابليون إلى فرنسا تاركًا جزءًا كبيرًا من جيشه في مصر، بينما واصل البريطانيون تعزيز سيطرتهم على البحر المتوسط.

لماذا تعد معركة أبي قير حدثًا مفصليًا؟

تكمن أهمية معركة أبي قير في أنها لم تكن مجرد مواجهة بين أسطولين، بل صراعًا على السيطرة على طرق التجارة والنفوذ العالمي، فقد حافظت بريطانيا بفضل هذا الانتصار على تفوقها البحري، بينما فقدت فرنسا القدرة على دعم حملتها المصرية بصورة فعالة.

ويرى عدد من المؤرخين أن أبي قير أسهمت في ترسيخ مكانة هوراشيو نلسون كأحد أعظم القادة البحريين في التاريخ، كما مهدت الطريق لسلسلة من الانتصارات البريطانية التي انتهت لاحقًا بهزيمة نابليون نهائيًا في أوروبا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء