رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«بين غزة وسبتة»: دعم سانشيز لفلسطين يفتح النار على إسبانيا

تعبيرية تم انتاجها
تعبيرية تم انتاجها بواسطة الذكاء الإصطناعي

في أواخر يوليو 2026، شهدت المدينتان الإسبانيتان سبتة ومليلية في شمال أفريقيا، اللتان تطالب المغرب بالسيادة عليهما، واحدة من أكبر موجات الدخول غير النظامي في السنوات الأخيرة.

بدأت الأحداث بتدفق متصاعد في النصف الثاني من الشهر، ثم تحولت في 30-31 يوليو إلى اقتحام جماعي هائل، خاصة في سبتة، حيث قدر المسؤولون الإسبان دخول نحو 49 ألف إلى 60 ألف شخص، معظمهم شباب مغاربة، عبر السباحة حول الحواجز المائية أو السير على الشاطئ.

فوضى إنسانية وأمنية

أسفرت المحاولات عن سقوط عشرات القتلى (تقديرات تتراوح بين 43 و67، معظمهم غرقاً أو في تدافع)، وإصابات، وفوضى أمنية وإنسانية، أرسلت مدريد تعزيزات من الجيش والحرس المدني والشرطة، بينما نسقت مع السلطات المغربية لاحتواء الوضع. 

عاد معظم الوافدين طوعاً إلى المغرب خلال ساعات أو أيام (نحو 48 ألفاً حسب بعض التقديرات الرسمية)، وأُغلقت نقاط عبور في مليلية مؤقتاً بعد محاولات اقتحام ومواجهات شملت رشق الحجارة وإحراق مركبات.

وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الحدث بـ«هجوم» و«انتهاك للسلامة الإقليمية لإسبانيا»، وزار سبتة، مؤكداً دعم الحكومة المركزية، طلب رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس إعلان حالة طوارئ وطنية، لكن الوزارة الداخلية رفضت ذلك معتبرة أن الأمر لا يندرج ضمن الإطار القانوني للطوارئ.

ورقة ضغط دبلوماسي


سبتة ومليلية هما الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، سبق أن استخدمت المغرب تدفق المهاجرين كورقة ضغط دبلوماسي، أبرزها في مايو 2021 عندما دخل آلاف الأشخاص سبتة بعد توتر مرتبط باستقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي.

في 2026، جاءت الأزمة بعد زيارة سانشيز للجزائر في 20 يوليو (محاولة تطبيع علاقات متوترة منذ دعم إسبانيا خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية عام 2022)، وحكم للمحكمة العليا الإسبانية في يونيو حدّ من عمليات الإعادة الفورية (hot returns) للمهاجرين القادمين بحراً، إضافة إلى مرسوم تنظيمي لوضع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي. نفت الرباط رسمياً تشجيع الدخول المتعمد، وألقت باللوم على شبكات التهريب والشائعات، بينما أشارت تقارير إعلامية وتحليلات إسبانية إلى «سلبية أولية» لبعض القوات المغربية.

في مليلية كانت الضغوط أقل حدة، مع مواجهات في بني أنصار وإغلاق المعبر. لم يكن الحدث «هجوماً مسلحاً» بالمعنى العسكري، بل موجة هجرة جماعية استغلت ثغرات أمنية وجغرافية، مع تقارير عن تشجيع أو تسهيل جزئي من الجانب المغربي حسب بعض الشهادات الميدانية.

موقف سانشيز من غزة

سانشيز والرئيس الفلسطيني أبو مازن
سانشيز والرئيس الفلسطيني أبو مازن


يأتي الحدث في سياق توتر طويل الأمد بين حكومة سانشيز وإسرائيل، ومع الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب. اتخذت إسبانيا مواقف متشددة نسبياً: الاعتراف بفلسطين، حظر أسلحة، قيود على استخدام المجال الجوي والموانئ، دعوات لاستبعاد إسرائيل من المنافسات الرياضية، وخطاب يتحدث عن «إبادة» في غزة. كما شهدت إسبانيا احتجاجات مؤيدة لفلسطين، بعضها عنيف أو معطل للأحداث الرياضية.

لم يسجل «هجوم موازٍ» مباشر ومنظم على شخص سانشيز مرتبط بالأحداث الحدودية في التقارير الرئيسية، لكن الأزمة غذت انتقادات المعارضة اليمينية لسياسات الهجرة والتنظيم، واتهامات بأن السياسات «الجاذبية» شجعت التدفق. 

في المقابل، ربط بعض المسؤولين الإسبان (مثل وزير النقل أوسكار بوينتي) الحدث بـ«انتقام» إسرائيلي بسبب موقف مدريد من غزة، بينما انتشرت على وسائل التواصل نظريات تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام نفوذها مع المغرب (عبر اتفاقيات إبراهيم والتعاون الأمني والعسكري) للضغط على سانشيز.

دبلوماسي إسرائيلي مثل داني دانون سخر من الوضع مشيراً إلى «المستعمرات» الإسبانية في أفريقيا، وانتقد آخرون سياسات الهجرة الإسبانية. البيت الأبيض انتقد الحكومة الإسبانية اليسارية وربط الأزمة بسياسات الهجرة «العالمية».

دور الولايات المتحدة وإسرائيل


لا أدلة موثقة أو رسمية تثبت تدخلاً مباشراً أمريكياً أو إسرائيلياً في تنظيم أو تسهيل الاقتحام، ولكن المغرب حليف استراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل منذ تطبيع 2020 (اتفاقيات إبراهيم) واعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مع تعاون دفاعي وتكنولوجي متزايد. 

هذا التحالف يعزز نفوذ الرباط الإقليمي، ويجعلها قادرة على استخدام ورقة الهجرة بفعالية أكبر ضد إسبانيا، خاصة في ظل تباعد مدريد عن واشنطن والقدس.

التحليلات الأكثر رصانة تشير إلى عوامل متعددة متداخلة:
- ضغط مغربي دبلوماسي محتمل رداً على التقارب الإسباني-الجزائري.
- عوامل جذب إسبانية (حكم المحكمة، التنظيم).
- شبكات تهريب وشائعات.
- استغلال سياسي داخلي إسباني وخارجي.

نظريات «المؤامرة الخارجية» منتشرة في الخطاب الشعبوي والإعلامي، لكنها تفتقر إلى أدلة ملموسة حتى الآن، وتعكس الاستقطاب السياسي أكثر مما تعكس وقائع محققة. الأزمة تذكر بأن الحدود الجنوبية لأوروبا تبقى رهينة التوازنات المغاربية والتحالفات الدولية.

الخلاصة 

الحدث أزمة هجرة وأمن حدود حقيقية كشفت هشاشة سبتة ومليلية، وأعادت إحياء التوترات السيادية والدبلوماسية بين مدريد والرباط. ربطه بموقف سانشيز من غزة يعكس الاستقطاب الأوسع حول الشرق الأوسط والهجرة، لكن أي ادعاء بدور أمريكي-إسرائيلي مباشر يظل في إطار التكهنات غير المثبتة حتى تتوفر تحقيقات أو وثائق رسمية. الوضع يتطلب تنسيقاً أمنياً أعمق مع المغرب، وإدارة أفضل لسياسات الهجرة واللجوء، بعيداً عن الاستغلال السياسي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء