رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأوديسة من هوميروس إلى نولان.. رحلة ملحمة ألهمت العالم لأكثر من ألفي عام

إيجبتكِ

 منذ إعلان المخرج العالمي كريستوفر نولان عن فيلمه الجديد "The Odyssey"، عادت ملحمة هوميروس إلى واجهة الاهتمام العالمي، ليس فقط بوصفها عملا أدبيا خالدا، بل باعتبارها نصا لا يزال قادرا على إلهام السينما والفنون والأدب حتى اليوم. ومع تصاعد الترقب للفيلم، جاءت اكتشافات أثرية حديثة في جزيرة إيثاكا اليونانية لتمنح القصة بعدا جديدا، بعدما كشفت عن أدلة تشير إلى أن الإغريق القدماء لم يكتفوا بقراءة حكاية أوديسيوس، بل خصصوا له مزارا وطقوسا دينية استمرت قرابة ألف عام، في مشهد يعكس المكانة الاستثنائية التي احتلها بطل "الأوديسة" في الوجدان الإغريقي.

أقدم ملحمة ما زالت حية

تُعد "الأوديسة" واحدة من أقدم وأشهر الملاحم في التاريخ الإنساني، وتنسب إلى الشاعر الإغريقي هوميروس، الذي يرجح الباحثون أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد. 

وتتكون الملحمة من 24 كتابا تضم أكثر من 12 ألف بيت شعري، وكتبت بالوزن السداسي الدكتيلي الذي اشتهر به الشعر الملحمي الإغريقي.

وجاءت "الأوديسة" امتدادا للإلياذة، لكنها لم تتناول وقائع حرب طروادة نفسها، بل ركزت على ما حدث بعدها، حين بدأ أوديسيوس، ملك إيثاكا، رحلته الطويلة للعودة إلى وطنه عقب انتهاء الحرب.

ورغم مرور ما يقرب من ثلاثة آلاف عام على تأليفها، لا تزال الملحمة تُقرأ وتُدرس في الجامعات، وتترجم إلى عشرات اللغات، كما ظلت مصدرا لا ينضب للإلهام في الأدب والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، حتى إنها جاءت ضمن قائمة أفضل الأعمال الأدبية تأثيرا في العالم في استطلاعات ثقافية دولية.

رحلة أوديسيوس

تبدأ رحلة أوديسيوس بعد مشاركته في حرب طروادة، التي كان أحد أبرز قادتها، ويُنسب إليه ابتكار فكرة "حصان طروادة" الشهيرة، التي مكنت الإغريق من دخول المدينة بعد حصار دام عشر سنوات.

لكن العودة إلى الوطن لم تكن سهلة، إذ استغرقت عشر سنوات أخرى، واجه خلالها أوديسيوس سلسلة طويلة من الأخطار والمغامرات التي امتزج فيها الواقع بالأسطورة.

خلال الرحلة واجه السيكلوب، العملاق صاحب العين الواحدة، وتمكن من النجاة بدهائه بعدما أعماه وهرب مع رفاقه، ثم اصطدم بغضب إله البحر بوسيدون الذي ظل يطارده بالعواصف. كما واجه الساحرة كيركي التي حولت رفاقه إلى خنازير قبل أن ينجح في إنقاذهم، ومر بجزيرة السيرينات صاحبات الأصوات الساحرة، ونجا من الوحش "سكيلا" والدوامة البحرية "كاريبديس"، وقضى سنوات أسيرا لدى الحورية كاليبسو التي عرضت عليه الخلود مقابل البقاء معها، لكنه رفض، مفضلا العودة إلى زوجته بينيلوبي ووطنه إيثاكا.

وتنتهي الرحلة بعودة أوديسيوس متنكرا إلى قصره، حيث يجد عشرات الرجال يسعون للاستيلاء على عرشه والزواج من زوجته بعد اعتقادهم بموته، فيستعيد ملكه بمساعدة ابنه تيليماخوس وعدد من المخلصين.

لماذا بقيت "الأوديسة" حاضرة حتى اليوم؟

يرى الباحثون أن سر خلود "الأوديسة" لا يكمن في أحداثها الأسطورية وحدها، بل في القضايا الإنسانية التي طرحتها، فهى ليست مجرد قصة عن بطل يحارب الوحوش، وإنما رحلة عن الحنين إلى الوطن، والصبر، والوفاء، والإصرار على تجاوز المحن، والقدرة على الانتصار بالعقل والحكمة قبل القوة.

ولهذا السبب تجاوز تأثيرها حدود الأدب الإغريقي، لتصبح مرجعا لأجيال من الكتاب والمفكرين. 

فقد استلهمها الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، وقدم الروائي الإيرلندي جيمس جويس روايته الشهيرة "يوليسيس" بوصفها إعادة معاصرة للأوديسة، كما استعادت الكاتبة الكندية مارغريت أتوود أحداثها من منظور مختلف، بينما وصف الكاتب ميلان كونديرا هوميروس بأنه أحد أهم صناع الرواية الإنسانية.

 حين تحول أوديسيوس إلى بطل مقدس

ولم يتوقف تأثير أوديسيوس عند حدود الأدب، إذ كشفت حفريات أثرية حديثة أجرتها جامعة يوانينا اليونانية عن أدلة جديدة تشير إلى وجود مزار مخصص لعبادته في جزيرة إيثاكا، عرف باسم "الأوديسيون".

وعثر علماء الآثار على أجزاء من قراميد تحمل اسم أوديسيوس، إلى جانب عملات برونزية وتماثيل ونقوش أثرية، اعتبرها الباحثون دليلا واضحا على وجود عبادة للبطل الإغريقي استمرت لقرون.

وأوضح  الفخري لعلم آثار ما قبل التاريخ بجامعة يوانينا، يانوس لولوس، أن الموقع لم يكن مجرد معبد ديني، بل كان أيضا مركزا للحياة العامة، حيث كان يجتمع المواطنون، بينما شكل مزار أوديسيوس القلب الديني للمكان.

أما عالمة الآثار كريستينا مارابيا، التي شاركت في أعمال التنقيب، فأكدت أن النقوش المكتشفة على القرميد تحمل صيغة كانت تستخدم عادة في المزارات المخصصة للآلهة، وهو ما يعزز فرضية أن الموقع كان مكرسا لعبادة أوديسيوس.

ويرى أستاذ الدراسات الكلاسيكية بجامعة مدينة نيويورك جويل كريستنسن أن الإغريق نظروا إلى أبطالهم باعتبارهم حلقة وصل بين البشر والآلهة، وأن أوديسيوس احتل مكانة خاصة لأنه يمثل الإنسان القادر على عبور الحدود بين الحياة والموت، والخروج من أصعب المحن بفضل ذكائه وصبره.

نولان يعيد الأسطورة إلى الشاشة

ويأتي فيلم كريستوفر نولان الجديد ليعيد تقديم "الأوديسة" إلى جمهور القرن الحادي والعشرين برؤية سينمائية مختلفة، مستفيدا من التطور التقني والإنتاج الضخم الذي اشتهر به المخرج البريطاني.

لكن الاهتمام العالمي الحالي بالملحمة لا يرتبط بالفيلم وحده، فالاكتشافات الأثرية الأخيرة، والدراسات الأكاديمية المتواصلة، والقراءات الجديدة للنص، تؤكد جميعها أن "الأوديسة" لم تتحول إلى أثر من الماضي، بل ما زالت نصا حيا يجد فيه كل عصر أسئلته الخاصة؛ من معنى البطولة والهوية، إلى قيمة الوطن والرحلة والعودة.

وربما لهذا السبب بقيت "الأوديسة" حاضرة بعد نحو ثلاثة آلاف عام، لتثبت أن بعض الحكايات لا تنتهي بانتهاء أبطالها، بل تبدأ رحلة جديدة مع كل جيل يكتشفها من جديد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء