من الفن إلى المرض حكاية لطفي لبيب بين التحديات والنجاحات الكبيرة
تحل اليوم 30 يوليو، الذكرى الأولى لرحيل الفنان لطفي لبيب، الذي يعد واحدا من أبرز نجوم الكوميديا في مصر، بعدما قدم عشرات الأعمال السينمائية والدرامية التي تركت بصمة لدي الجمهور، إلا أن مشواره لم يبدأ بالفن، بل سبقه مشوار وطني شارك خلاله في خدمة بلاده ، حيث شارك كمقاتل في حرب أكتوبر ضمن الكتيبة 26 مشاة، ورغم فخره بالانتصار، إلا أنه عاش أزمة نفسية قاسية برؤية زملائه يستشهدون بجواره، وهو ما وثّقه لاحقاً في كتابه "الكتيبة 26".
بدأ مسيرته الفنية متأخرًا 10 سنوات، فبعد تخرُّجه في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1970، التحقَ بالخدمة العسكرية واستمرَّ تجنيده مدَّة 6 سنوات، ثم سافر خارج مصر أربع سنوات. فبدأت مسيرته الفنية عام 1981 بمشاركته في مسرحية «المغنية الصلعاء»، ثم مسرحية «الرهائن» بالاشتراك مع الفنانة رغدة.
وعلى الرغم من صِغَر أدواره في مرحلة البدايات أصبح شريكًا رئيسًا في معظم أفلام المرحلة من 2000 إلى 2010، بعد نجاحه الكبير في فيلم «السفارة في العمارة» الذي يراه فاتحة خير. وإلى جانب نشاطه في السينما والتلفزيون والمسرح، ألف كتابًا بعنوان «الكتيبة 26» يتحدث فيه عن تجرِبته الشخصية في حرب أكتوبر من سبتمبر 1973 حتى فبراير 1974، وقد كتبه بعد انتهاء حرب أكتوبر بعامين أي في عام 1975 حين كان مجنَّدًا في تلك الكتيبة أيام الحرب، وهي أول كتيبة عبَرَت القناة يوم السادس من أكتوبر واقتحمت حصون العدو.
أبرز أعماله
يعد فيلم السفارة في العمارة (2005) الذي جسّد فيه دور السفير الإسرائيلي ببراعة أمام الفنان عادل إمام المحطة الأبرز ونقطة التحول الأهم في مسيرته الفنية بالكامل، وفيلم عسل أسود (2010) قدّم شخصية "راضي" بلمساته الكوميدية المميزة، بالإضافة إلي فيلم كده رضا (2007) الذي أدى فيه شخصية "هندي" والد التوائم الثلاثة، وفيلم اللمبي (2002) الذي اشتهر بشخصية "عم تمّام" وإيفيهاته الشهيرة.
أزمة استبداله في فيلم "السفارة في العمارة"
واجه الفنان لطفي لبيب أزمة ترشيحه لفيلم "السفارة في العمارة" بمزيج من التردد والمخاوف المتبادلة بينه وبين صناع العمل في البداية، قبل أن يتحول الدور إلى المحطة الأبرز في مسيرته.
واجه لبيب أزمة نفسية حادة عند عرض الدور عليه بسبب تحذيرات شديدة من أصدقائه بالوسط الفني، وعلى رأسهم الفنان محمد هنيدي، الذي طالبه بالرفض خوفاً من أن يكرهه الجمهور العربي لتجسيده شخصية السفير الإسرائيلي. حيث كان المخرج عمرو عرفة متخوفاً جداً من إسناد الدور له بسبب صبغته الكوميدية وخفة دمه المعهودة، مما قد يفسد جدية وطبيعة الشخصية السياسية الدبلوماسية.
تجاوز لبيب هذه الأزمة بسبب دعم وثقة الفنان عادل إمام الذي تمسك بترشيحه للدور، بالإضافة إلى تشجيع المخرج سعيد حامد له. وقرر لبيب مواجهة مخاوفه بالتقمص الجاد والبارع تماماً للشخصية والابتعاد عن الهزل؛ مما أبهر المخرج عمرو عرفة ودفع صناع العمل إلى زيادة مساحة وتفاصيل مشاهد لطفي لبيب في الفيلم، ومنها مشهد "التورتة" الشهير الذي غير مجرى أجره وتاريخه الفني بالكامل.
رفض تكريم السفارة الإسرائيلية
رفض دعوةً لتكريمه من قِبَل السِّفارة الإسرائيلية في القاهرة، بعد تجسيده شخصية السفير الإسرائيلي في فيلم “السفارة في العمارة”مع الفنان عادل إمام، مُرجعًا ذلك إلى إيمانه بالقضية الفلسطينية، وحزنه الشديد لما يحدُث للفلسطينيين والقدس في ظلِّ الانتهاكات الإسرائيلية، ولا سيَّما مع مشاركته في تحقيق النصر على إسرائيل في حرب عام 1973.
تكريمات تقدّر مسيرته
حصل لطفي لبيب على عدد من التكريمات التي تعكس تقدير المؤسسات الفنية لدوره، من بينها تكريمه في المهرجان القومي للمسرح، إلى جانب تكريمات رسمية أخرى، فضلًا عن وسام نجمة سيناء الذي حصل عليه تقديرًا لمشاركته في حرب أكتوبر، وهو جانب وطني بارز في حياته.
أزمات صحية أثّرت على مسيرته
عاش الفنان الراحل لطفي لبيب عدة أزمات قاسية في حياته، أبرزها تعرضه لجلطة دماغية أثرت على النصف الأيسر من جسده وأدت لتوقف حركته جزئياً ، وأجبرته على الابتعاد عن الأضواء لسنوات ثم أعلن اعتزاله عن الفن نهائياً في أوائل عام 2025 ، بالإضافة إلي خضوعه لجراحة دقيقة لاستئصال ورم سرطاني في الحنجرة تسببت بمضاعفات شديدة.
نُقل إلى غرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات القاهرة، ومُنعت عنه الزيارات تماماً لمنع حدوث أي مضاعفات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. و توفي في 30 يوليو 2025 عن عمر 77 عاماً إثر التهاب رئوي حاد ونزيف في الرئة والحنجرة.
إرث فني مستمر
يظل لطفي لبيب حاضرًا في ذاكرة الجمهور من خلال أعماله التي تُعرض باستمرار، حيث نجح في ترسيخ مكانته كأحد أهم نجوم الأدوار الثانية، الذين استطاعوا أن يصنعوا تأثيرًا يفوق مساحة ظهورهم على الشاشة.
تبقى مسيرة لطفي لبيب نموذجًا لفنان اعتمد على الموهبة والالتزام، ونجح في تحقيق حضور فني قوي، ليظل اسمه مرتبطًا بأعمال شكلت جزءًا من وجدان المشاهد العربي.


