«جامعات» من ورق.. شهادات على الرصيف الكيانات الوهمية تحت حصار الدولة|خاص
لم تعد الكيانات التعليمية الوهمية مجرد مكاتب صغيرة تختبئ خلف لافتات مجهولة، بل تحولت بعض أنماطها إلى منظومة احتيال تستغل حلم آلاف الطلاب في الحصول على شهادة جامعية أو دورة تدريبية تؤهلهم لسوق العمل، وتستخدم في ذلك أسماء براقة، ومقرات مجهزة، وإعلانات مكثفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشهادات تحمل أختامًا وشعارات توحي بالاعتماد والاعتراف.
لكن خلف هذه الصورة المصطنعة، يقف واقع مختلف تمامًا: كيانات لا تملك ترخيصًا لممارسة نشاط التعليم العالي، ولا تمنح شهادات معترفًا بها، وتبيع للطلاب وأولياء الأمور وهمًا قد لا يكتشف حقيقته إلا بعد سنوات.
هنا تتحرك الدولة على أكثر من محور؛ فوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ترصد وتتحقق وتصدر القوائم الرسمية للمؤسسات المعتمدة، وتعمل لجان الضبطية القضائية على كشف الكيانات المخالفة، بينما تضطلع أجهزة وزارة الداخلية بدورها في مواجهة جرائم النصب والاحتيال وضبط القائمين على إدارة هذه الكيانات، في إطار التنسيق مع الجهات المختصة.
«القائمة السوداء».. إنذار مبكر للطلاب
في إطار استعدادها لموسم تنسيق القبول بالجامعات والمعاهد للعام الجامعي 2025/2026، وجه الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بإعداد قائمة سوداء بأسماء الكيانات الوهمية التي تدعي كذبًا حصولها على اعتماد أو تزعم منح شهادات معتمدة دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة.
وتنشر الوزارة هذه القوائم عبر منصاتها الرسمية، بالتوازي مع نشر قائمة المؤسسات التعليمية المعتمدة في مصر، بما يشمل الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية وفروع الجامعات الأجنبية والمعاهد وغيرها من مؤسسات التعليم العالي المرخصة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الطالب لا يحتاج إلى البحث العشوائي أو الاعتماد على إعلان ممول أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالمرجع الحقيقي هو القائمة الرسمية التي تصدرها وزارة التعليم العالي.
وتؤكد الوزارة أن أي كيان غير مدرج ضمن المؤسسات التعليمية المعتمدة لا يجوز التعامل معه باعتباره جامعة أو معهدًا أو مؤسسة تمنح مؤهلًا معترفًا به.
أكثر من 400 كيان.. رقم يكشف حجم الخطر
وكشف الدكتور عادل عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عن ضبط أكثر من 400 كيان وهمي من خلال جهود لجنة الضبطية القضائية بالتعاون مع الجهات المعنية.
ولا تتوقف خطورة هذه الكيانات عند تحصيل أموال من الطلاب، فبعضها يروج لشهادات توحي بإمكانية الالتحاق بوظائف كبرى أو الحصول على مراكز مهنية، في حين أن الشهادة نفسها لا تتمتع بالاعتراف الرسمي ولا يمكن معادلتها من الجهات المختصة.
الأخطر أن بعض هذه الكيانات لا يختفي بعد كشفه، بل قد يحاول تغيير اسمه أو مقره أو أسلوب الدعاية، ليعود إلى السوق بصورة جديدة. وهو ما يفرض استمرار الرصد والملاحقة وعدم الاكتفاء بإغلاق مقر واحد.
«الداخلية» في مواجهة الجريمة.. من الإعلان إلى الضبط
في مواجهة هذا النوع من الجرائم، لا يقتصر الدور على الجهة التعليمية وحدها؛ فممارسات الكيانات الوهمية قد تتضمن شبهة النصب والاحتيال والاستيلاء على أموال المواطنين والترويج لشهادات غير حقيقية.
وتتحرك أجهزة وزارة الداخلية، من خلال القطاعات والإدارات المختصة، لرصد الأنشطة غير المرخصة وضبط القائمين عليها بعد تقنين الإجراءات القانونية، خاصة عندما تتوافر معلومات عن استخدام كيان تعليمي وهمي في استقطاب المواطنين وإيهامهم بالحصول على شهادات أو دورات تؤهلهم للعمل.
وتكشف بيانات وزارة الداخلية عن نمط متكرر في هذه القضايا: معلومات وتحريات، ثم تقنين للإجراءات، واستهداف مقر الكيان، وضبط القائمين على إدارته، والتحفظ على الشهادات والمطبوعات الدعائية ونماذج الامتحانات والملازم والمواد التي تستخدم في إقناع الضحايا بأنهم أمام مؤسسة تعليمية حقيقية.
وفي إحدى القضايا التي أعلنتها الوزارة، تم ضبط مسؤول عن إدارة كيان تعليمي غير مرخص في القاهرة، بعد اتهامه بالنصب على الراغبين في الحصول على شهادات دراسية وإيهامهم بأنها تؤهلهم للعمل لدى شركات ومؤسسات كبرى، مع ضبط شهادات خالية البيانات ومطبوعات دعائية.
وفي واقعة أخرى بمحافظة الفيوم، كشفت تحريات أجهزة وزارة الداخلية عن إنشاء وإدارة كيان تعليمي دون ترخيص، واستغلاله في النصب على المواطنين الراغبين في الحصول على شهادات ودورات تعليمية، حيث تم ضبط المدير المسؤول وبحوزته شهادات ومواد دعائية ونماذج امتحانات وملازم تعليمية.
وتكشف هذه الوقائع أن المواجهة الأمنية لا تستهدف مجرد «مقر مخالف»، وإنما تستهدف نشاطًا إجراميًا يقوم على صناعة الوهم وبيع شهادات لا قيمة قانونية لها.
المحافظات ليست خارج دائرة المواجهة
وتتطلب طبيعة هذه الظاهرة انتشارًا جغرافيًا واسعًا في جهود المواجهة، إذ لا تقتصر الكيانات الوهمية على العاصمة أو المدن الكبرى.
فبعض هذه الكيانات يستغل حاجة الطلاب في المحافظات إلى الالتحاق بمؤسسات قريبة من محل الإقامة، ويقدم نفسه باعتباره فرعًا لجامعة أو أكاديمية أو مؤسسة دولية، أو يستخدم مسميات تحمل طابعًا رسميًا وأكاديميًا.
ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجهات الأمنية والمحافظات والأجهزة المعنية؛ فوزارة التعليم العالي تحدد الوضع القانوني للكيان، وتكشف ما إذا كان حاصلًا على التراخيص اللازمة، بينما تتولى الجهات الأمنية اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وتواصل لجنة الضبطية القضائية بوزارة التعليم العالي ملاحقة الكيانات الوهمية بمختلف أنحاء الجمهورية، بالتعاون مع هيئة الرقابة الإدارية وكافة أجهزة الدولة المعنية، بناءً على ما يرد من تقارير وبلاغات وعمليات رصد إعلامي.
السوشيال ميديا.. بوابة الاستقطاب الأولى
لم تعد اللافتة الموجودة على مقر الكيان هي وسيلة الدعاية الأساسية. فقد انتقلت المعركة إلى العالم الرقمي.
إعلانات ممولة، صفحات تحمل أسماء أكاديمية، صور لاحتفالات تخرج، شهادات معلقة على الجدران، صور لأشخاص يرتدون ملابس التخرج، وعبارات من نوع «معتمد دوليًا» و«شهادة معترف بها» و«فرص عمل مضمونة».
كل ذلك قد يصنع انطباعًا زائفًا بأن الطالب أمام مؤسسة رسمية.
وتشير وزارة التعليم العالي إلى استمرار رصد المحتوى الإعلامي والدعائي للكيانات التي تمارس أنشطة تعليمية بصورة غير قانونية، وإحالة ما يتم رصده إلى لجنة الضبطية القضائية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بالتعاون مع الجهات المعنية.
وتكمن خطورة الدعاية الإلكترونية في قدرتها على الوصول إلى آلاف الطلاب خلال ساعات، فضلًا عن إمكانية تغيير اسم الصفحة أو نقل الإعلان إلى حساب جديد بعد إغلاق مقر أو ضبط القائمين عليه.
كيف تسقط الأسرة في الفخ؟
غالبًا ما يبدأ الأمر بإعلان جذاب:
«احصل على شهادة جامعية دون عناء»
«التحق بأكاديمية معتمدة»
«شهادة تؤهلك للعمل في أكبر الشركات»
«الدراسة تبدأ فورًا»
«التقديم بدون تنسيق»
وبينما يبحث الطالب عن فرصة تعليمية أو مهنية، يجد نفسه أمام جهة تقدم إجابات سريعة ووعودًا كبيرة، وتطلب دفع مبالغ مالية مقابل التسجيل أو الدراسة أو الامتحانات أو استخراج الشهادة.
وقد تمر أشهر أو سنوات قبل أن يكتشف الطالب أن الشهادة التي حصل عليها لا يمكن معادلتها، وأن الجهة التي درس بها لم تكن جامعة أو معهدًا معتمدًا من الأساس.
وهنا لا تكون الخسارة مالية فقط؛ فالطالب قد يفقد سنوات من عمره، بينما تضطر الأسرة إلى تحمل نفقات جديدة لإعادة بدء المسار التعليمي من نقطة الصفر.
الدولة تتحرك.. لكن الوعي خط الدفاع الأول
تؤكد وزارة التعليم العالي أن مواجهة الكيانات الوهمية لا تعتمد فقط على الحملات الأمنية أو الإغلاق الإداري أو الإجراءات القانونية، وإنما تبدأ من وعي الطالب والأسرة.
فالتحقق من اعتماد المؤسسة لا يستغرق سوى دقائق، بينما قد يستغرق اكتشاف الحقيقة سنوات.
ولهذا تنشر الوزارة قوائم المؤسسات التعليمية المعتمدة، وتحدثها وفق القرارات الجمهورية والوزارية المتعلقة بإنشاء مؤسسات جديدة وبدء الدراسة بها.
كما تستقبل الوزارة البلاغات المتعلقة بالكيانات التي تمارس نشاطًا تعليميًا دون ترخيص، وتتحقق منها، بينما تنفذ لجان الضبطية القضائية زيارات مفاجئة لرصد المخالفات.
وتتعاون اللجنة مع الجهات المعنية، ومن بينها الأجهزة الأمنية، لمواجهة أي نشاط يستغل الطلاب أو أولياء الأمور.
من «الاعتماد الوهمي» إلى «الشهادة غير المعترف بها»
يستغل أصحاب هذه الكيانات واحدة من أكثر الكلمات تأثيرًا في قرار الطالب: «معتمد».
لكن الاعتماد ليس كلمة تكتب على لافتة أو إعلان، ولا يكفي أن يحمل الكيان اسمًا يتضمن كلمات مثل «جامعة» أو «أكاديمية» أو «معهد» أو «دولي».
الاعتراف الحقيقي يرتبط بوجود كيان قانوني مرخص من الجهات المختصة، وبإدراجه ضمن القوائم الرسمية لمؤسسات التعليم العالي المعتمدة.
أما الشهادة الصادرة عن كيان غير مرخص، فقد تبدو في ظاهرها رسمية، لكنها لا تمنح حاملها بالضرورة أي قيمة أكاديمية أو قانونية.
وهنا تبرز أهمية عدم الانخداع بالشكل، أو بالمقر، أو بعدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعبارات الإعلان.
مواجهة مستمرة لا حملة موسمية
ورغم أن نشاط الكيانات الوهمية يزداد مع مواسم التنسيق والقبول الجامعي، فإن مواجهتها ليست مرتبطة بفترة زمنية محددة.
فالوزارة تواصل رصد الإعلانات والمحتوى الدعائي، وتعمل لجان الضبطية القضائية على ضبط الكيانات التي تمارس نشاطًا تعليميًا دون ترخيص، بينما تواصل الأجهزة الأمنية التعامل مع الوقائع التي تتضمن شبهة نصب واحتيال أو استيلاء على أموال المواطنين.
وتؤكد الوقائع المعلنة أن المواجهة تمتد إلى محافظات مختلفة، وأن أجهزة الدولة تتعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية تمس مستقبل الطلاب وأمن المجتمع وثقة المواطنين في منظومة التعليمن عمره ومستقبله.





