رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أستاذ تاريخ يكشف كواليس تأميم قناة السويس ودور إرادة مصر في مواجهة العدوان

قناة السويس
قناة السويس

قال الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ، أن قرار تأميم قناة السويس يمثل واحدة من أهم المحطات الفارقة في تاريخ مصر المعاصر، مشيرًا إلى أن هذا القرار لم يكن وليد لحظة انفعالية أو رد فعل عشوائي، وإنما جاء نتيجة تخطيط ودراسة دقيقة سبقت الإعلان عنه.


وأوضح الدكتور جمال شقرة، خلال حديثه عن الذكرى التاريخية لتأميم قناة السويس، أن مصر كانت تمر بمرحلة سياسية واقتصادية مهمة عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، التي قادها مجموعة من الضباط الشباب، ونجحت خلال سنواتها الأولى في تحقيق عدد من الأهداف الكبرى، من بينها إنهاء الحكم الملكي وعقد اتفاقية الجلاء وخروج القوات البريطانية من الأراضي المصرية، حيث أن الثورة بعد نجاحها في مواجهة التحديات الأولى كان عليها أن تتجه نحو بناء المستقبل، ووضع خطط تنموية كبرى تستهدف النهوض بالاقتصاد المصري وتحقيق الاستقلال الحقيقي، وكان من أبرز هذه المشروعات مشروع بناء السد العالي وتأميم قناة السويس.


السد العالي وتأميم القناة كانا ضمن مشروع التنمية المصرية


وأشار أستاذ التاريخ إلى أن فكرة إنشاء السد العالي وتأميم قناة السويس لم تظهر فجأة بعد الثورة، بل كانت مطروحة بالفعل داخل الشارع السياسي المصري قبل قيام ثورة 23 يوليو، إلا أن الفارق الأساسي كان في توافر الإرادة السياسية القادرة على تنفيذ هذه الأفكار وتحويلها إلى قرارات واقعية، مؤكدًا أن هناك خطأ شائعًا يتمثل في الربط الكامل بين رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي وبين قرار تأميم قناة السويس، موضحًا أن قرار التأميم كان مدروسًا ومخططًا له مسبقًا، وأن رفض التمويل الدولي كان العامل المباشر الذي ساهم في تحديد توقيت الإعلان عن القرار.


وأوضح أن القيادة المصرية كانت تنتظر الظروف السياسية المناسبة لاتخاذ هذا القرار التاريخي، خاصة أن القناة كانت تمثل رمزًا للسيادة الوطنية ومصدرًا مهمًا للدخل القومي الذي كان يمكن أن يساهم في تمويل مشروعات التنمية الكبرى.


خطة التأميم سبقت الإعلان وتم وضع حسابات دقيقة


وكشف الدكتور جمال شقرة أنه التقى خلال إعداد أبحاثه التاريخية بالدكتور علي صبري، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، وسأله عما إذا كان قرار التأميم جاء بشكل مفاجئ أو نتيجة انفعال سياسي، لافتًا إلى أن الإجابة جاءت من خلال الاطلاع على كراسة تضمنت خطة عملية كاملة لعملية التأميم والنتائج المتوقعة منها، وهذه الوثائق أكدت أن القرار كان محسوبًا بدقة، وأن القيادة المصرية وضعت سيناريوهات متعددة للتعامل مع ردود الفعل الدولية المحتملة، خاصة من القوى الاستعمارية التي كانت تمتلك مصالح مباشرة في قناة السويس.


وأضاف أن الحسابات المصرية تضمنت احتمال لجوء بريطانيا وفرنسا إلى استخدام القوة العسكرية لمحاولة استعادة السيطرة على القناة، خاصة أن الدولتين كانتا تعتبران القناة جزءًا من نفوذهما الاستعماري في المنطقة.


بريطانيا وفرنسا رفضتا فقدان نفوذهما في المنطقة


وأشار أستاذ التاريخ إلى أن فرنسا كانت لديها دوافع متعددة للعدوان على مصر، من بينها ارتباطها بإدارة قناة السويس باعتبارها إحدى الدول المشاركة في الشركة القديمة للقناة، إضافة إلى موقف مصر الداعم للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، موضحًا أن بريطانيا كانت تسعى أيضًا إلى استعادة نفوذها في المنطقة بعد خروجها من مصر بموجب اتفاقية الجلاء، والتي جاءت في ظروف دولية وضغوط سياسية كبيرة، ولذلك كانت ترى في تأميم القناة تهديدًا مباشرًا لمصالحها.


وأكد أن القيادة المصرية كانت تتوقع مواجهة مع بريطانيا وفرنسا، لكنها لم تكن تتوقع بشكل كامل انضمام إسرائيل إلى العدوان الثلاثي، خاصة أن مصالح بريطانيا وفرنسا في العالم العربي والإسلامي كانت تجعل التحالف مع إسرائيل أمرًا غير متوقع في ذلك الوقت.


إسرائيل كانت تسعى لمواجهة مصر منذ قيام الثورة


وأوضح الدكتور جمال شقرة، أن إسرائيل اتخذت موقفًا عدائيًا من ثورة 23 يوليو منذ بدايتها، مشيرًا إلى أن القيادة الإسرائيلية كانت ترى أن النظام الجديد في مصر يمثل تهديدًا لمصالحها بسبب مواقفه تجاه القضية الفلسطينية، حيث أن إسرائيل حاولت خلال فترة مفاوضات الجلاء أن تكون طرفًا في هذه المفاوضات، إلا أن مصر رفضت ذلك بشكل قاطع، وهو ما أكد استمرار التوتر بين الطرفين.


وأشار إلى أن إسرائيل كانت تبحث عن فرصة للتصعيد ضد مصر، ولذلك شاركت لاحقًا في العدوان الثلاثي إلى جانب بريطانيا وفرنسا، رغم أن هذا السيناريو لم يكن ضمن التوقعات الأولى للقيادة المصرية عند اتخاذ قرار التأميم.


الدبلوماسية المصرية أسقطت أهداف العدوان الثلاثي


وأكد أستاذ التاريخ أن مصر نجحت في إدارة المعركة سياسيًا ودبلوماسيًا بعد وقوع العدوان الثلاثي، حيث تحركت على المستوى الدولي لكشف أهداف الدول المعتدية وحشد التأييد العالمي ضدها، موضحًا أن مصر استفادت من ظروف الحرب الباردة والصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث أدى الضغط الدولي إلى إجبار الدول المعتدية على وقف عملياتها العسكرية والانسحاب.


وأشار إلى أن الإنذار السوفيتي للدول الثلاث المعتدية كان أحد العوامل المؤثرة، بالإضافة إلى الضغط الأمريكي، موضحًا أن موقف الولايات المتحدة لم يكن بدافع دعم مصر فقط، وإنما كان مرتبطًا برغبتها في تقليص النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة وفرض حضورها بدلًا منهما.


قناة السويس رمز للسيادة والاستقلال الوطني


وفي ختام حديثه، أكد الدكتور جمال شقرة على أن قناة السويس لم تكن مجرد ممر ملاحي مهم، بل كانت رمزًا للاستقلال الوطني والقدرة المصرية على إدارة مواردها بعيدًا عن الهيمنة الأجنبية، مشيرًا إلى أن قرار التأميم جسد تحولًا تاريخيًا في علاقة مصر بالقوى الكبرى، وأثبت قدرة الدولة المصرية على اتخاذ قرارات سيادية رغم الضغوط الدولية، مؤكدًا أن هذه المرحلة ستظل من أبرز صفحات التاريخ المصري الحديث التي تعكس مفهوم الإرادة الوطنية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء