دماء في حب مصر.. حين رفض الصعايدة خلع العمامة وسقط 120 ألف شهيد خلال حفر قناة السويس
في كل عام، تحل ذكرى تأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو، فيتذكر المصريون القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1956، واستعاد به القناة إلى السيادة المصرية، إلا أن هذا اليوم لا يقتصر على استحضار لحظة التأميم، بل يعيد إلى الأذهان أيضًا آلاف المصريين الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لإنشاء هذا الممر الملاحي، بعدما أُجبروا على العمل بنظام السخرة في واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري قسوة.
السخرة.. الوجه الآخر لمشروع القناة
بدأت أعمال حفر قناة السويس في 25 أبريل 1859 بقيادة فرديناند ديليسبس، ومع توسع المشروع اعتمدت الشركة على نظام السخرة، فكان الفلاحون ينتزعون من قراهم وينقلون إلى مواقع الحفر دون إرادتهم، ليعملوا لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، مستخدمين أدوات بدائية، وفي ظل نقص شديد في المياه والغذاء والرعاية الصحية.
وتحولت مواقع الحفر إلى ساحات معاناة يومية، حيث كان العمال يواجهون الجوع والعطش والأمراض الوبائية والإجهاد البدني، دون توفير الحد الأدنى من وسائل الحماية أو العلاج، ما جعل الموت رفيقًا دائمًا لآلاف المصريين طوال سنوات تنفيذ المشروع.
120 ألف شهيد
تشير الروايات التاريخية المتداولة إلى أن نحو 120 ألف عامل مصري استشهدوا خلال أعمال حفر قناة السويس، نتيجة العطش والجوع والأوبئة وظروف العمل القاسية. وبينما يختلف بعض المؤرخين حول العدد الدقيق، يبقى هذا الرقم حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره رمزًا لحجم التضحيات التي قدمها المصريون من أجل إنشاء هذا المشروع.
لم يكن هؤلاء العمال جنودًا في ساحة قتال، لكنهم خاضوا معركة يومية مع المرض والجوع والإرهاق. كثير منهم غادر قريته ولم يعد إليها أبدًا، بعدما انتهت حياته في الصحراء التي شُقت فيها القناة، لتتحول الرمال إلى شاهد صامت على دماء المصريين التي سالت من أجل إنجاز المشروع.
كرامة المصريين في مواجهة الإهانة
ورغم قسوة الظروف، لم يتخلَّ العمال عن كرامتهم. فقد رفض أبناء الصعيد خلع عمائمهم عندما طلب منهم المشرفون الفرنسيون استبدالها بالبرنيطة، معتبرين العمامة جزءًا من هويتهم. كما شهدت مواقع الحفر حالات تمرد وفرار احتجاجًا على سوء المعاملة، في مشاهد عكست رفض المصريين للظلم حتى وهم يعملون تحت وطأة السخرة.
افتتاح القناة
في السابع عشر من نوفمبر 1869، افتُتحت قناة السويس في احتفال عالمي حضره ملوك وأمراء أوروبا، يتقدمهم الإمبراطورة أوجيني زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث. وبينما احتفى العالم بالمشروع الجديد، غاب عن المشهد عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين لم يشهدوا ثمرة جهدهم، بعدما ابتلعتهم سنوات الحفر القاسية.
التأميم... رد الاعتبار لتضحيات المصريين
جاءت اللحظة الفارقة في 26 يوليو 1956، عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، لتعود القناة إلى السيادة المصرية بعد عقود من الإدارة الأجنبية. ولم يكن القرار مجرد خطوة اقتصادية أو سياسية، بل حمل دلالة وطنية عميقة، إذ أعاد للمصريين حقهم في مرفق شُيد بعرقهم ودمائهم، ورسخ مفهوم الاستقلال والسيادة الوطنية.
وتبقى قصة 120 ألف شهيد من عمال السخرة جزءًا لا ينفصل عن تاريخ قناة السويس، فقبل أن تصبح أحد أهم الممرات الملاحية في العالم ورمزًا للسيادة المصرية، كانت شاهدًا على تضحيات شعب تحمل الجوع والعطش والمرض من أجل حفرها.





