رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قناة السويس رحلة بدأت بحلم المصريين القدماء وانتهت باستعادة الإرادة الوطنية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تحل اليوم، 26 يوليو، ذكرى تأميم قناة السويس، القرار التاريخي الذي أعلنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1956، ليصبح أحد أبرز القرارات السياسية والاقتصادية في تاريخ مصر الحديث، بعدما أعاد للدولة المصرية السيطرة على أهم ممر ملاحي في العالم، وأنهى عقودًا من الإدارة الأجنبية للقناة، ولم يكن قرار التأميم مجرد خطوة اقتصادية، بل مثّل إعلانًا صريحًا عن استقلال الإرادة المصرية، وأشعل أحداثًا غيرت موازين القوى في المنطقة، كان أبرزها العدوان الثلاثي على مصر.

وتأتي هذه الذكرى لتعيد إلى الأذهان تاريخ قناة السويس الممتد عبر آلاف السنين، فالقناة لم تبدأ مع فرديناند دي لسبس أو مع أعمال الحفر في القرن التاسع عشر، وإنما تعود فكرتها إلى الحضارة المصرية القديمة، عندما سعى المصريون إلى إنشاء ممر مائي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط لتسهيل التجارة وحركة السفن بين الشرق والغرب، قبل أن تتحول عبر العصور إلى أهم شريان ملاحي في العالم.

من سنوسرت الثالث إلى محمد علي

يرجع المؤرخون أول محاولة لربط البحرين إلى الملك  المصري سنوسرت الثالث، أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة، الذي سعى إلى إنشاء قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر نهر النيل وفروعه، وكانت السفن تعبر من البحر المتوسط إلى النيل ثم إلى البحيرات المرة وصولًا إلى البحر الأحمر، في خطوة هدفت إلى تنشيط التجارة وتعزيز مكانة مصر الاقتصادية.

وعلى مدار قرون طويلة، تعرضت القناة للإهمال ثم أعيد إحياؤها أكثر من مرة، ففي القرن السادس قبل الميلاد حاول الملك نيخاو الثاني إعادة حفرها، إلا أنه لم ينجح سوى في ربط البحيرات المرة بنهر النيل، وبعده اهتم الملك الفارسي داريوس الأول بالمشروع، ثم تمكن بطليموس الثاني من إعادة الملاحة في القناة بالكامل بعد استكمال الجزء الرابط بين البحر الأحمر والبحيرات المرة، بينما أعاد الإمبراطور الروماني تراجان حفرها لتخدم التجارة في عصره.

ومع الفتح الإسلامي لمصر، أعاد عمرو بن العاص فتح القناة للملاحة عام 641 ميلادية، وأطلق عليها اسم "قناة أمير المؤمنين"، لتصبح وسيلة لنقل الغلال والمؤن إلى الحجاز، قبل أن يأمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بردمها عام 760 ميلادية، فتوقفت الملاحة بين البحرين لما يقرب من أحد عشر قرنًا، حتى أعاد محمد علي باشا استخدام أجزاء منها في مشروعات الري خلال القرن التاسع عشر.

الامتيازات الأجنبية وبداية المشروع

بدأ التاريخ الحديث لقناة السويس مع منح الامتياز الأول عام 1854، ثم تتابعت الامتيازات التي مهدت لتنفيذ المشروع، حتى انطلقت أعمال الحفر رسميًا في 25 أبريل 1859 بمدينة الفرما، التي تعرف اليوم بمدينة بورسعيد، وشهدت أعمال الحفر واحدة من أصعب المراحل في تاريخ المشروع، حيث شارك نحو 20 ألف مصري في عمليات الحفر في ظل ظروف شاقة واعتماد واسع على نظام السخرة، وهو ما تسبب في معاناة إنسانية كبيرة للمصريين الذين شاركوا في تنفيذ المشروع.

واستمرت أعمال الحفر قرابة عشر سنوات، حتى اكتمل المشروع في أغسطس 1869، قبل أن يُفتتح رسميًا في 17 نوفمبر من العام نفسه في احتفال عالمي ضخم حضره ملوك وأمراء وشخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم، لتدخل قناة السويس منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة جعلتها أقصر طريق بحري بين الشرق والغرب، وأحد أهم الممرات التجارية على مستوى العالم.

افتتاح قناة السويس
افتتاح قناة السويس

تأميم قناة السويس

ورغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة التي اكتسبتها القناة منذ افتتاحها، فإن إدارتها ظلت خاضعة لسيطرة الشركة العالمية لقناة السويس لعقود طويلة، حتى جاء يوم 26 يوليو 1956، عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر قرار تأميم الشركة، عقب رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي.

ومثل القرار تحولًا تاريخيًا في مسار الدولة المصرية، إذ واجهت مصر على إثره ضغوطًا سياسية واقتصادية كبيرة، أعقبها العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في أكتوبر 1956، إلا أن صمود المصريين والضغوط الدولية انتهت بانسحاب قوات العدوان، لتصبح قناة السويس منذ ذلك الحين تحت الإدارة المصرية الكاملة، ويُسجل قرار التأميم باعتباره أحد أهم الإنجازات الوطنية في القرن العشرين.

تأميم قناة السويس
تأميم قناة السويس

خمس مرات توقفت فيها الملاحة

لم تسلم قناة السويس من تداعيات الحروب التي شهدتها المنطقة، فقد أغلقت خمس مرات منذ افتتاحها، بداية من الثورة العرابية، ثم خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبعد العدوان الثلاثي، إلا أن الإغلاق الأطول جاء عقب حرب يونيو 1967، عندما توقفت الملاحة داخل القناة لمدة ثماني سنوات كاملة، قبل أن يعاد افتتاحها رسميًا في يونيو 1975، لتستعيد مكانتها تدريجيًا كممر رئيسي للتجارة العالمية.

ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف أعمال التطوير داخل القناة، حيث شهدت عمليات تعميق وتوسعة متواصلة لمواكبة تطور أحجام السفن وزيادة حركة التجارة الدولية، حتى وصل طولها إلى نحو 193.3 كيلومتر، وعمقها إلى 24 مترًا، فضلًا عن إنشاء تفريعات جديدة أسهمت في زيادة كفاءة الملاحة.

افتتاح قناة السويس الجديدة
افتتاح قناة السويس الجديدة

قناة السويس الجديدة

وفي إطار خطة الدولة بئاسة الرئيس السيسي لتعزيز قدرة القناة على استيعاب حركة التجارة العالمية، انطلق في 7 أغسطس 2014 مشروع قناة السويس الجديدة، الذي تضمن إنشاء مجرى ملاحي جديد بطول 35 كيلومترًا، إلى جانب تعميق وتوسيع أجزاء من البحيرات المرة والبلاح بطول 37 كيلومترًا، ليصل إجمالي المشروع إلى 61 كيلومترًا، في واحدة من أسرع عمليات تنفيذ المشروعات القومية، بعدما اكتمل خلال عام واحد فقط.

واليوم تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبرها ما بين 8% و12% من حجم التجارة العالمية، ونحو 35% من النفط القادم من منطقة الخليج العربي، كما تستوعب أكثر من 61% من حمولات ناقلات البترول العالمية بحمولتها الكاملة، ونحو 92.7% من سفن البضائع الصب، إلى جانب قدرتها على استقبال جميع سفن الحاويات وحاملات السيارات وسفن البضائع العامة.

قناة السويس
قناة السويس
قناة السويس
قناة السويس
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء