رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ثورتان على الشاشة | كيف وثقت السينما رحلة التغيير من يوليو إلى 30 يونيو؟

إيجبتكِ

بين صورة المصريين في أفلام الأبيض والأسود وهم يلتفون حول أجهزة الراديو الضخمة في انتظار بيان يحمل أخبارًا مصيرية عام 1952، وصورة الملايين في العصر الحديث وهم يتابعون لحظات التغيير عبر شاشات الهواتف والمنصات الرقمية، تبدو المسافة الزمنية طويلة، لكن الرابط واحد؛ وهو أن الفن ظل شاهدًا على لحظات التحول الكبرى في تاريخ المجتمع المصري.

فالسينما والدراما التليفزيونية المصرية لم تكونا مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل لعبتا دورًا يتجاوز التوثيق، لتصبحا أشبه بـ"وحدة القياس" يرصد نبض الشارع، ويكشف أحلام الناس ومخاوفهم، ويعيد تشكيل صورة البطل الذي يمثل المرحلة.

فكما شهدت مرحلة ما بعد ثورة 23 يوليو 1952 ظهور نموذج جديد للبطل القادم من الطبقات الشعبية، والمؤمن بالعدالة الاجتماعية، شهدت مرحلة ما بعد 30 يونيو صعود نموذج مختلف للبطل المرتبط بحماية الدولة ومواجهة التحديات الأمنية والفكرية.

ويبقى السؤال: كيف تغيرت ملامح "البطل الشعبي" على الشاشة بين مرحلتين فاصلتين في التاريخ المصري؟ وكيف وثقت السينما والدراما رحلة المجتمع من عصر إلى آخر؟

أفلام التمهيد.. حين سبقت الشاشة الأحداث

قبل اندلاع التحولات الكبرى، كانت السينما في كثير من الأحيان تلتقط الإشارات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع، وتقدم أعمالًا تعكس حالة القلق أو الرغبة في التغيير قبل حدوثه.

في مرحلة ما قبل ثورة يوليو، جاءت بعض الأفلام محملة بروح وطنية تعكس رفض الاحتلال والرغبة في الاستقلال، ومنها فيلم «مصطفى كامل» (1952) الذي قدم شخصية الزعيم الوطني ورمز المقاومة ضد الاحتلال، في توقيت كان المجتمع المصري يعيش حالة من التوتر السياسي.

كما عكس فيلم «المنزل رقم 13» (1952) أجواء الغموض والقلق التي سبقت التحولات الكبرى، ليصبح جزءًا من صورة المرحلة التي سبقت ميلاد نظام اجتماعي وسياسي جديد.

أما قبل وبعد موجة 30 يونيو، فقد ظهرت أعمال اقتربت من حالة الشارع المصري وتوتراته، مثل فيلم «بعد الموقعة» (2012) للمخرج يسري نصر الله، الذي تناول الانقسامات الاجتماعية والسياسية عقب أحداث الثورة، وفيلم «فرش وغطا» (2013) الذي ركز على عالم المهمشين والهامش الاجتماعي في فترة مليئة بالتغيرات.

لم تكن هذه الأعمال تسجيلًا مباشرًا للأحداث، لكنها قدمت قراءة فنية للمناخ العام الذي سبق التحولات.

وجوه الأبطال.. من الضابط المكافح إلى رجل مواجهة الإرهاب

مع تغير طبيعة المرحلة، تغيرت ملامح البطل الذي تقدمه الشاشة للجمهور.

بعد ثورة يوليو، ارتبط البطل السينمائي بصورة الإنسان القادم من الطبقات البسيطة، الذي يحصل على فرصته بالعلم والعمل والانتماء الوطني.

ويظل فيلم «رد قلبي» (1957) أحد أبرز النماذج التي جسدت هذا التحول، حيث قدم شكري سرحان شخصية علي ابن الجنايني الذي يصبح ضابطًا، في مواجهة طبقة الباشوات التي كانت تمثل النفوذ القديم.

لم يكن الصراع في الفيلم مجرد قصة حب، بل كان تعبيرًا عن تغير اجتماعي واسع، وانتقال البطولة من أصحاب النفوذ إلى أبناء الطبقات الشعبية.

كما ناقش فيلم «الأيدي الناعمة» (1963) مفهوم الطبقة والعمل، حيث تحولت قيمة الإنسان من مكانته الاجتماعية إلى قدرته على الإنتاج والعطاء.

وفي الدراما التليفزيونية، جاء مسلسل «ليالي الحلمية» كواحد من أهم الأعمال التي رصدت صعود طبقات جديدة وتراجع نفوذ الطبقة القديمة، من خلال رحلة عائلات مصرية عبر عقود من التحولات.

أما بعد 30 يونيو، فقد ظهر نموذج مختلف للبطل، ارتبط بفكرة حماية الدولة ومواجهة الإرهاب والتحديات الأمنية.

قدم مسلسل «الاختيار» بأجزائه المختلفة نموذج رجل الأمن والقوات المسلحة الذي يواجه التهديدات ويحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن، مع الاعتماد على أحداث وشخصيات مستوحاة من وقائع حقيقية.

كما جاء مسلسل «العائدون» ليتناول ملف مواجهة التنظيمات المتطرفة والحروب غير التقليدية، مقدماً صورة للبطل الذي يعمل في مواجهة أخطار غير مرئية.

الدراما الطويلة.. توثيق التغيير داخل البيوت المصرية

رغم قدرة السينما على التقاط اللحظة، تظل الدراما الطويلة الأكثر قدرة على رصد تأثير التحولات الكبرى على تفاصيل الحياة اليومية للأسر المصرية.

ويعد مسلسل «ذات» من أبرز الأعمال التي قدمت رحلة المجتمع المصري عبر عقود، حيث تبدأ الحكاية مع ميلاد البطلة في 23 يوليو 1952، لتصبح حياتها انعكاسًا للتغيرات السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر.

أما «ليالي الحلمية»، فقد قدم صورة واسعة لتحولات المجتمع، من صعود الموظفين والمثقفين إلى تغير شكل العلاقات بين الطبقات.

وفي مرحلة ما بعد 30 يونيو، اهتمت بعض الأعمال بمناقشة قضايا المجتمع الجديدة، ومن بينها مسلسل «فاتن أمل حربي» الذي تناول قضايا المرأة والقوانين والأزمات الاجتماعية المعاصرة، بينما قدمت أعمال أخرى صورة للتحولات الفكرية والثقافية التي شهدها المجتمع.

من «رد قلبي» إلى «الاختيار».. تغير الزمن وبقي سؤال الوطن

توضح رحلة السينما والدراما المصرية بين 23 يوليو و30 يونيو أن صورة البطل لم تكن ثابتة، بل تغيرت مع تغير احتياجات المجتمع وأسئلته.

ففي الخمسينيات كان البطل هو المواطن الذي يبحث عن العدالة والفرصة، والإنسان الذي يصعد من الطبقات الشعبية ليشارك في بناء المستقبل.

أما في الدراما الحديثة، فأصبح البطل غالبًا هو من يقف في مواجهة التهديدات ويحمي الدولة ويحارب الأفكار المتطرفة.

وبين الأبيض والأسود وتقنيات الصورة الحديثة، ظلت الشاشة المصرية تؤدي دورها كذاكرة جماعية للمجتمع، توثق لحظات التحول، وتحفظ حكايات المواطن العادي، وتعيد تقديم مفهوم البطولة وفقًا لكل مرحلة تاريخية.

فالسينما والدراما لم تكتفيا برواية التاريخ، بل شاركتا في صياغة صورة الإنسان المصري الذي يقف في قلب التغيير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء