في عالم الفن والغناء، قد تتغير الأزياء، وتتبدل الموضات، وتتزاحم الأسماء، لكن يظل الصيف بالنسبة لنا حالة استثنائية لا تخضع لتقويم سنوي ولا لحرارة طقس.. الصيف في وجداننا يبدأ رسمياً حين يتنفس الشارع نغمة جديدة لألبوم عمرو دياب.
تستعيد الذاكرة صيف عام 1996، حين كانت شوارع العجمي والمعمورة تصدح بألحان «نور العين»، ويتكرر الشريط الكاسيت في مسجلات السيارات وعلى شواطئ البحر. واليوم، تتجدد الحالة ذاتها بنفس اللهفة والشغف، وكأن الزمن توقف ليُعلن أن البهجة الصيفية لها عنوان واحد لا يتغير. أطلق عمرو دياب ألبومه الجديد، وفي دقائق معدودة قفزت أغانيه لتتصدر المشهد وتكتسح المنصات الرقمية. والعجيب أنك وأنت تطالع هذه الأرقام، تتساءل في دهشة: من كان يتخيل أن ذاك الشباب الذي كان يبحث عن قلم رصاص ليعيد إيقاع الشريط في الـ "وكمان" على رمال البحر، هو نفسه الذي يمسك بشاشات الموبايل الذكية اليوم بنفس الشغف والانتظار؟
ولستُ هنا في معرض الحديث كواحدة من هوس مراهقة أو مجانين عمرو دياب، ولم يكن يوماً المطرب الوحيد على قوائم مفضلاتي، لكنني مثل ملايين غيري، نشأتُ على صوته وعشتُ في ظلال أغانيه. أنا لا أكتب عن نَجْمٍ أفضّله، بل أكتب عن «حالة» فريدة، وعن ذكاء فني استثنائي لفنانين في الخمسينيات والستينيات من أعمارهم – يرفضون الاستسلام لقوانين الزمن، ويصنعون صيفنا ببراعة كل عام!
تغيرت الوسائل وتطورت التقنية، لكن النبض هو النبض. الصوت الذي غنى قديماً «ميال»، و«علموني»، و«قمرين»، و«وماله»، هو الصوت ذاته الذي يلامس أرواحنا اليوم مع كل نغمة جديدة! ومن الناحية الفنية، فالمعتاد مع تعاقب السنوات أن تتغير طبقات الصوت وتفقد بعض بريقها، لكن صوت عمرو دياب تحدى هذه القاعدة؛ فلم يضعف أو يتراجع، بل ازداد نضجاً وقوة وعمقاً كأنه يزداد شباباً، فيما ظلت ألحان عمرو مصطفى متجددة لا تعجز. فهذان «العَمْرَان» برغم سنوات العمر والتجربة يملكان الخلطة السحرية والتناغم الاحترافي للتطور المستمر دون أن يفقد الوجدان دفئه ولا إحساسه. الأول يعاند الزمن بذكائه وحضوره الاستثنائي الذي يرفض الانكسار، والأخير هو العبقرية الفنية التي تعزف على أوتار الروح بلا توقف.
لكن السر الحقيقي والعميق ليس في عمرو وعمرو وحدهما.. السر الحقيقي يكمن فينا؛ في جيل السبعينيات والثمانينيات ومواليد الخمسينيات والستينيات الذين عاشوا زهرة شبابهم في تلك الأيام الجميلة وشربوا من رحيقها.
نحن هذا الجيل الأنيق، الشغوف، المفعم بالحياة، الذي حين تتأمل ملامحه اليوم تستحيل معها التكهنات بأعمارهم الحقيقية؛ جيلٌ يفيض بوقار وثبات، ويتألق برشاقة وشباب دائم يتوقف عند حافة «الأربعين». نحن الجيل الذي نشأ على الأصول والشياكة قبل أن تصبح المظاهر قواعد مجردة؛ تربينا في بيوتنا ومدارسنا على الرقي، والنظافة، والجمال في أسلوب الحديث، وانتقاء المظهر، واحترام الكبير والصغير ومراعاة المشاعر في كل تصرف.
ولأننا شربنا هذا الجمال الصافي مع هواء البحر، وعشنا طقوس الصيف الحقيقية بضحكات الأصحاب، ورذاذ الموج، وأشرطة الكاسيت التي نسجل عليها أغانينا المفضلة، أصبحنا ربما أكثر جيل يتألم من أي تراجع ذوقي أو مجتمعي نشهده اليوم.. ليس لأننا نرفض الحداثة، إحنا عمرنا ما حسينا إننا كبار في السن خالص! لكن لأن أرواحنا بالفطرة ترفض كل ما يخدش الجمال. نحن الجيل الذي شهد التحولات بين "الحلو.. فالأحلى.. فالأسوأ"، وظل متمسكاً بالحلو والأحلى دون أن يتنازل عن معاييره.
نحن الجيل المبتكر الذي علم أبناءه لغة العصر ورقاهم، وأدخلهم أفضل المدارس، ودربهم على التكنولوجيا التي استوعبناها وطوعناها بأيدينا ببراعة شديدة. نحن الجيل الذي يجمع ببراعة واقتدار بين ذكريات الماضي الجميل وبساطته ودفئه، وبين حداثة الحاضر وسرعته بطاقة وحيوية في العشرين من عمرها.
والآن، أضعُ قلمي جانباً، وأتركُ السطور كي أستمتع بلحظتي الخاصة.. أغلقُ أوراقي وأسيرُ بقلبي نحو الشاطئ؛ لم أعد أبحث عن «نور العين» في شريط قديم، بل أضغط زر التشغيل لأستمع لأغنية الألبوم «حبيتك»، وأترك لصوت الهضبة وألحان «العَمْرَيْن» الشجية أن تناديني مع رذاذ البحر ودفء الصيف.. لا لأطرب فحسب، بل لأبتسم وأنا أستشعر نبض جيلنا الأنيق؛ الجيل الذي أثبت للزمن أن الروح الشابة لا تحسبها السنون... ولا يمكن لها أبداً أن تشيخ!